آخر الأخبار

ذكرى اغتيال شيرين أبو عاقلة: تفاصيل جديدة عن القناص الإسرائي

شارك

تحل الذكرى الرابعة لاغتيال الأيقونة الصحفية شيرين أبو عاقلة، لتعيد إلى الأذهان تلك اللحظة القاسية في الحادي عشر من مايو عام 2022، حين توقف صوتها في مخيم جنين. لم تكن شيرين مجرد عابرة في الميدان، بل كانت شاهدة على عقود من الصراع، قبل أن تتحول بجسدها المضرّج بالدماء إلى رمز عالمي يجسد معاناة الصحفيين تحت الاحتلال.

ولدت شيرين في القدس عام 1971، وشقت طريقها المهني بإصرار بعد أن تركت دراسة الهندسة المعمارية لتلتحق بجامعة اليرموك وتدرس الإعلام. تنقلت بين مؤسسات دولية ومحلية كالأونروا ومونت كارلو، حتى استقرت في مكتب 'مصادر' عام 1997، لتصبح وجهاً مألوفاً في كل بيت فلسطيني وعربي يتابع تفاصيل الانتفاضة والاجتياحات.

تميزت شيرين بأسلوبها الهادئ والرزين، حيث كانت توازن ببراعة بين قدسية الخبر والانحياز الإنساني للضحية دون مبالغة أو استعراض. كانت تقاريرها تمشي على خيط دقيق يجمع بين حرارة الميدان وانضباط العبارة، مما جعلها تحظى بثقة الجمهور واحترام الزملاء في مختلف أنحاء العالم.

في صبيحة يوم الاغتيال، كانت شيرين ترتدي كامل معدات السلامة من خوذة وسترة واقية تحمل وسم 'صحافة' بشكل واضح لا لبس فيه. ورغم غياب أي مواجهات مسلحة في تلك النقطة، استهدفها قناص إسرائيلي برصاصة قاتلة، في جريمة وثقتها عدسات الكاميرات وشهادات الزملاء الذين كانوا بجوارها تحت الشجرة.

حاولت الرواية الرسمية للاحتلال في البداية إلقاء اللائمة على مسلحين فلسطينيين، لكن الضغط الدولي والتحقيقات المستقلة أجبرها على التراجع والاعتراف باحتمالية عالية لمسؤولية جنودها. خلصت تحقيقات كبرى الصحف العالمية مثل 'نيويورك تايمز' و'واشنطن بوست' إلى أن الاستهداف كان دقيقاً ومن جهة القوات الإسرائيلية المتمركزة في المكان.

كشف فيلم وثائقي حديث أنتجته منصة 'زيتيو' في عام 2025 عن اسم القناص المسؤول عن إطلاق النار، وهو 'ألون سكاجيو' من وحدة النخبة 'دوفديفان'. وأشار التحقيق إلى أن الجيش قام بنقله من وحدته لاحقاً لحمايته من الملاحقة، قبل أن يلقى حتفه بعبوة ناسفة خلال عملية عسكرية في جنين عام 2024.

المفاجأة الكبرى التي فجرها الوثائقي تمثلت في علم مسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بمسؤولية إسرائيل عن القتل منذ الساعات الأولى. وأكدت التقارير أن جنرالاً إسرائيلياً أبلغ الجانب الأمريكي بالحقيقة فور وقوع الحادثة، مما يضع علامات استفهام كبرى حول أسباب تأخر العدالة والمحاسبة.

شيرين لم تكن مجرد مراسلة، بل كانت صوتاً هادئاً في قلب العاصفة، تحولت برصاصة غادرة من ناقلة للخبر إلى الخبر ذاته.

تنتقد لجنة حماية الصحفيين حالياً ما تصفه بـ'الركود' في تحقيق مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) الذي أعلن عنه في أواخر عام 2022. وتؤكد اللجنة أنه لا توجد تحديثات علنية أو جدول زمني واضح للتحقيق، رغم استعداد الشهود الفلسطينيين للتعاون الكامل وتقديم إفاداتهم الرسمية للجهات الأمريكية.

عارضت سلطات الاحتلال التحقيقات الخارجية بشدة، حيث وصف وزير الدفاع آنذاك بيني غانتس التحقيق الأمريكي بأنه 'خطأ فادح'. هذا الرفض للتعاون يعكس سياسة الإفلات من العقاب التي تنتهجها إسرائيل، والتي يرى مراقبون أنها شجعت على استمرار استهداف الكوادر الإعلامية في الأراضي المحتلة.

لقد فتح اغتيال شيرين الباب أمام نمط أكثر وحشية في استهداف الصحفيين، حيث تشير الإحصائيات إلى مقتل نحو 240 صحفياً في غزة خلال الحرب الأخيرة. لم تعد الحماية التي يوفرها القانون الدولي كافية أمام الرصاص الذي يستهدف الكاميرا باعتبارها شاهداً مزعجاً على الجرائم الميدانية.

تروي الصحفية شذى حنايشة، التي كانت ترافق شيرين لحظة رحيلها، كيف أن تلك اللحظة غيرت حياتها للأبد وأصابتها بصدمة نفسية عميقة. تؤكد شذى أن استهداف الصحفي لا يقتله جسدياً فحسب، بل يهدف إلى إرهاب البيئة المهنية بالكامل ودفع الصحفيين للابتعاد عن توثيق الحقيقة في المناطق الساخنة.

تحولت قضية شيرين إلى ملف حقوقي دولي، حيث أحالت شبكة 'مصادر' وعائلة الشهيدة ملفات متكاملة إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وتستند هذه الملفات إلى أدلة جنائية ومواد مصورة تثبت تعمد القنص، في محاولة لكسر جدار الصمت الدولي وفرض عقوبات على مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين.

تتضامن منظمات دولية مثل 'مراسلون بلا حدود' مع هذه الجهود، محذرة من أن إغلاق ملف شيرين دون محاسبة يعني منح ضوء أخضر لاستهداف المزيد من الصحفيين. إن المعركة القانونية المستمرة تهدف إلى جعل قضية شيرين نقطة تحول في حماية العمل الصحفي على مستوى العالم، وليس في فلسطين فحسب.

رغم مرور أربع سنوات، لا تزال صورة شيرين أبو عاقلة حاضرة في كل ميدان، وصوتها يتردد في ذاكرة الأجيال كأيقونة للحق والمهنية. تبقى القضية اختباراً حقيقياً لضمير العالم وقدرة المؤسسات الدولية على الانتصار للعدالة بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة التي تحمي القتلة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا