آخر الأخبار

مشروع قانون إسرائيلي لإلغاء اتفاقية أوسلو وتداعياته على السل

شارك

تتصاعد في الأروقة السياسية والتشريعية الإسرائيلية تحركات غير مسبوقة تهدف إلى تقويض الأسس القانونية التي قامت عليها العلاقة مع الجانب الفلسطيني منذ عقود. ويبرز في هذا السياق مشروع قانون جديد يهدف إلى إلغاء "اتفاقية أوسلو" وكافة التفاهمات المنبثقة عنها، في خطوة تتجاوز التصريحات السياسية لتصل إلى حيز التنفيذ الفعلي. ورغم محاولات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تأجيل النقاش الوزاري حول المشروع بدعوى الدراسة المتأنية، إلا أن ضغوط اليمين المتطرف تدفع بقوة نحو إقراره.

تمثل هذه الخطوة التشريعية، في حال إقرارها، نهاية حقبة سياسية بدأت عام 1993، وتنذر بإعادة صياغة الواقع الأمني والقانوني في الضفة الغربية والقدس المحتلة. إن إلغاء الالتزامات الإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية يعني عملياً تجريد الأخيرة من شرعيتها القانونية أمام المؤسسات الإسرائيلية. وهذا التحول يهدد الوجود المؤسسي والديمغرافي الفلسطيني، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة مع الاحتلال دون وسيط سياسي.

تستند اتفاقية أوسلو، المعروفة رسمياً بـ "إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي"، إلى رؤية لإنهاء الصراع عبر مرحلة انتقالية تمهد لقيام دولة فلسطينية. وقد أفرزت هذه الاتفاقية تقسيمات إدارية وأمنية معقدة للضفة الغربية، شملت المناطق (أ) و(ب) و(ج). إلا أن مشروع القانون الجديد يسعى لنسف هذه التقسيمات وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل عام 1993، حيث كانت الأراضي الفلسطينية تخضع للحكم العسكري المباشر.

تقدمت بمشروع القانون عضو الكنيست ليمور سون هار ميليخ، من حزب "قوة يهودية"، مطالبة باعتبار جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير غير ملزمة. وينص المقترح بوضوح على إلغاء كافة التشريعات التي سنتها إسرائيل لتنفيذ بنود أوسلو على مدار العقود الثلاثة الماضية. وترى هار ميليخ أن هذه الاتفاقيات كانت "رسالة ضعف" منحت الفلسطينيين قوة وسلاحاً استُخدم ضد أمن إسرائيل، على حد زعمها.

يرى مراقبون أن توقيت طرح هذا القانون ليس عفوياً، بل يأتي في ظل هيمنة اليمين المتطرف بقيادة إيتمار بن غفير على مفاصل القرار الأمني. ويعتبر هذا التيار أن أحداث السابع من أكتوبر وفرت فرصة تاريخية لتصفية ما يصفونه بـ "خطأ أوسلو التاريخي". ويهدف التحرك إلى إزالة أي قيود قانونية، ولو كانت شكلية، أمام التوسع الاستيطاني في قلب المناطق المصنفة (أ) و(ب).

تتضمن الأهداف الاستراتيجية لهذا القانون تسريع عملية الضضم الفعلي للضفة الغربية وتحويلها من أرض متنازع عليها إلى أرض خاضعة للسيادة الإسرائيلية الكاملة. كما يسعى اليمين من خلاله إلى تدمير أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية عبر تفكيك كيان السلطة قانونياً ووظيفياً. وقد صرح بن غفير علانية بأن الجميع بات يدرك "حماقة" هذه الاتفاقيات، متهماً السلطة الفلسطينية بدعم ما وصفه بالإرهاب.

في حال تحول هذا المشروع إلى قانون نافذ، فإن السلطة الفلسطينية ستتحول في المنظور الإسرائيلي من شريك تعاقدي إلى كيان غير شرعي. وهذا يعني سقوط الحصانة عن الأجهزة الأمنية الفلسطينية، واعتبار وجودها أو سلاحها غير قانوني. وبموجب ذلك، سيمنح جيش الاحتلال غطاءً قانونياً كاملاً للعمل في مراكز المدن الفلسطينية دون الحاجة لأي تنسيق أمني مسبق، مما ينهي السيادة الفلسطينية المحدودة.

يجب على دولة إسرائيل أن تتحرر من هذه الاتفاقيات الفاشلة، وأن تستعيد مسؤوليتها الكاملة عن أمن مواطنيها وسيادتها.

على الصعيد المالي والقانوني، سيسهل القانون الجديد عمليات مصادرة أموال المقاصة الفلسطينية بالكامل تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. كما سيؤدي إلى إغلاق المؤسسات الفلسطينية الرسمية في المناطق التي يطالها النفوذ الإسرائيلي، مما يشل قدرة السلطة على تقديم الخدمات الأساسية. هذا الانهيار المؤسساتي سيترك ملايين الفلسطينيين في مواجهة مباشرة مع الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال في تفاصيل حياتهم اليومية.

سيكون للمواطن الفلسطيني النصيب الأكبر من المعاناة نتيجة هذا التحول، حيث ستعود منظومة التصاريح والهويات والتحركات إلى قبضة الحكم العسكري المباشر. إن زوال مظاهر السيادة الوطنية سيعني أيضاً استباحة الأراضي في المناطق (أ) و(ب) لصالح الاستيطان وشرعنة البؤر العشوائية. وسيترافق ذلك مع تكثيف عمليات تهويد القدس وعزلها عن محيطها الجغرافي الفلسطيني بشكل كامل ونهائي.

من جانبه، حذر رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، من أن هذه الإجراءات تمثل جريمة تطهير عرقي وجزءاً من حرب شاملة تشنها حكومة الاحتلال. وأكد فتوح أن الهدف النهائي هو تهجير السكان وفرض واقع استعماري جديد بالقوة المسلحة والقانون الجائر. وطالب المجتمع الدولي بضرورة مراجعة مواقفه واتخاذ إجراءات رادعة ضد إسرائيل باعتبارها دولة فصل عنصري تنتهك القوانين الدولية.

تتعدد السيناريوهات المتوقعة لـ "اليوم التالي" لإقرار القانون، وأبرزها سيناريو "الضم الزاحف" الذي يبدأ بالكتل الاستيطانية الكبرى وينتهي بالضفة كاملة. هذا التوجه سيحول المدن الفلسطينية الكبرى إلى كانتونات معزولة ومحاصرة، تفتقر للتواصل الجغرافي أو السياسي. كما يبرز خطر اندلاع مواجهة شاملة أو انتفاضة ثالثة نتيجة غياب أي أفق سياسي وانهيار الخدمات الأساسية التي كانت توفرها السلطة.

تشير تقارير إلى أن إسرائيل قد تحاول خلق بدائل محلية أو عشائرية لإدارة شؤون السكان مدنياً، فيما يعرف بمشروع "روابط المدن" القديم المتجدد. ويهدف هذا المخطط إلى إبقاء القبضة الأمنية بيد الجيش الإسرائيلي مع تحميل جهات محلية عبء الإدارة اليومية للسكان. هذا المسار يندرج ضمن استراتيجية "التطهير العرقي الصامت" عبر خلق بيئة طاردة للسكان من خلال الهدم والحصار الاقتصادي.

أكد وزير العدل الإسرائيلي ياريف ليفين أن تأجيل مناقشة القانون لا يعني التراجع عنه، بل هو ترتيب للأولويات السياسية فقط. وأعرب ليفين عن حماسه للترويج للقانون في المستقبل القريب، مشبهاً العودة للسيطرة الكاملة بالعودة إلى مستوطنة صانور المخلاة سابقاً. وتكشف هذه التصريحات عن نوايا مبيتة لدى أقطاب الحكومة لفرض السيادة الإسرائيلية على كامل أراضي الضفة الغربية دون اعتبار للاتفاقيات الدولية.

إن المشهد القادم في الأراضي الفلسطينية المحتلة يبدو قاتماً في ظل إصرار اليمين الإسرائيلي على دفن اتفاقية أوسلو قانونياً بعد أن انتهت وظيفياً على الأرض. ومع غياب الضغوط الدولية الفاعلة، تجد السلطة الفلسطينية نفسها أمام خيارات صعبة للبقاء والاستمرار. ويبقى التساؤل القائم هو مدى قدرة الشارع الفلسطيني على مواجهة هذه التحديات المصيرية في ظل انهيار المنظومة السياسية التي حكمت واقعه لثلاثة عقود.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا