د. سعد نمر: قد تكون محاولة لاستدراج رد دبلوماسي إيراني للإفصاح عن موقفها لكن طهران متمسكة بموقفها بدراسة المقترح دون ضغوط
خليل شاهين: تصريحاته تأتي في سياق الضغط على دوائر صنع القرار الإيرانية خصوصاً المحيطة بالمرشد لدفعها نحو مواقف أقرب للمطالب الأمريكية
د. تمارا حداد: تصريحات روبيو أقرب لإعلان دخول العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة ضغط متبادل جديدة أكثر من كونها إعلاناً نهائياً لفشل الدبلوماسية
د. سعيد شاهين: تصريحات روبيو تعكس حجم الإحباط داخل إدارة ترمب والمخاوف من استهداف إيران الأصول الأمريكية والقواعد العسكرية وإمكانية تفاقم الأزمة
محمد الرجوب: الحديث الأمريكي عن رفض إيران للاتفاق قد يكون تمهيداً لتبرير مرحلة تصعيد جديدة خصوصاً مع التحركات العسكرية المتزايدة في الخليج
رام الله - خاص بـ"القدس"-
تفتح تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الأخيرة التي يتم الحديث فيها عن رفض إيران للاتفاق المقترح، باباً واسعاً أمام تساؤلات حول دوافعها وتداعياتها، رغم تقديرات بأن طهران لم تحسم موقفها النهائي بعد، وتدرس المقترح الأمريكي مع رفض واضح للتعامل معه تحت الضغط.
طهران لم ترفض المقترح الأمريكي حتى الآن
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د.سعد نمر أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بشأن رفض إيران للاتفاق لا يعكس الواقع الفعلي للمسار التفاوضي، مؤكداً أن طهران لم ترفض المقترح الأمريكي حتى الآن، وإنما ما زالت في مرحلة دراسة الورقة الأمريكية ولم تقدم رداً رسمياً بشأنها.
ويشير نمر إلى أن إيران ربطت أيضاً تأجيل ردها بحالة التصعيد العسكري الأخيرة، بعد تحريك الولايات المتحدة بعض المدمرات باتجاه مضيق هرمز، وما تبع ذلك من رد إيراني عبر قواتها البحرية، الأمر الذي اعتبرته طهران محاولة ضغط عسكري غير مقبولة دفعتها إلى تأجيل الرد وعدم الظهور بمظهر الطرف الذي يتفاوض تحت التهديد.
ويعتبر نمر أن تصريحات روبيو حول "رفض إيران الاتفاق" قد تكون محاولة لاستدراج رد إيراني دبلوماسي أو دفع طهران للإفصاح عن موقفها، غير أن الإيرانيين تمسكوا بموقفهم المعلن القائم على مواصلة دراسة المقترح دون ضغوط قبل تقديم رد رسمي.
الموقف الأمريكي الداخلي
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يستبعد نمر بدرجة كبيرة الذهاب نحو حرب أمريكية جديدة ضد إيران، مستنداً إلى جملة من العوامل الداخلية الأمريكية، من بينها ارتفاع الأسعار وتراجع التأييد الشعبي للحرب، مشيراً إلى أن استطلاعات الرأي تظهر معارضة أكثر من نصف الأمريكيين لأي تصعيد عسكري جديد.
ويلفت نمر إلى وجود اعتبارات سياسية ولوجستية إضافية، من بينها استعداد الولايات المتحدة لاستضافة أحداث دولية كبرى مثل كأس العالم، فضلاً عن القيود القانونية المرتبطة بالحاجة إلى موافقة الكونغرس في حال استمرار العمليات العسكرية لفترة أطول.
إسرائيل المستفيد الأكبر من أي تصعيد
وعلى المستوى العسكري، يرى نمر أن فرص نجاح أي محاولة أمريكية لفرض فتح مضيق هرمز بالقوة تبدو محدودة، بسبب تعقيدات ميدانية تتعلق بقدرات التنفيذ ونقص الذخائر والمخزون الصاروخي الأمريكي مقارنة بحجم المواجهة المحتملة.
ويشير نمر إلى أن المستفيد الأكبر من أي تصعيد عسكري جديد قد يكون إسرائيل، التي قد تستغل المواجهة لاستهداف مواقع ومنشآت إيرانية حيوية بهدف إضعاف النظام الإيراني وإرباك قدرته على إعادة بناء نفسه، وربما دفع الأوضاع الداخلية نحو الاحتجاج.
ويرى نمر أن احتمال الحرب لا يزال قائماً من الناحية النظرية، لكنه يبدو بعيداً في المرحلة الحالية، مع الإقرار بأن طبيعة قرارات ترمب تجعل استبعاد أي تحول مفاجئ أمراً غير ممكن بالكامل.
حرب استنزاف
يوضح الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن المشهد المتعلق بالأزمة المتصاعدة في مضيق هرمز والصراع الأمريكي–الإسرائيلي مع إيران لا يزال مفتوحاً على احتمالات متقاربة، في ظل صعوبة التنبؤ بمسار الأحداث، بين إمكانية إقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على انعطافة سياسية تقود إلى اتفاق مع طهران، أو الذهاب نحو مزيد من التصعيد العسكري الذي قد يفتح الباب أمام حرب أوسع وأكثر تعقيداً في المنطقة.
ويشير شاهين إلى أن الوضع القائم بات يشبه إلى حد بعيد "حرب استنزاف" حذر منها كثيرون داخل الولايات المتحدة، لافتاً إلى أن ما يسمى "مشروع الحرية" الذي حاولت الإدارة الأمريكية استخدامه لفتح مضيق هرمز بالقوة بهدف الضغط على إيران، انتهى إلى فشل عميق نتيجة الجاهزية الإيرانية والرد القاسي الذي استهدف القوات البحرية الأمريكية خلال الأيام الماضية.
إدارة الأزمة بالضغوط
ويلفت شاهين إلى أن المرحلة الحالية لا تعكس حسم الصراع بقدر ما تعكس نمطاً من "إدارة الأزمة" عبر توليد المزيد من الضغوط السياسية والعسكرية على طهران، سواء من خلال التهديد بإعادة استخدام القوة لفتح مضيق هرمز بأساليب أكثر عنفاً، أو عبر استمرار الحصار البحري.
وبحسب شاهين، فإن هذه الضغوط لا تقتصر آثارها على إيران، بل ترتد أيضاً على الولايات المتحدة وأسواق الطاقة العالمية، مع ارتفاع أسعار الوقود واتساع حالة الإرباك الاقتصادي المرتبط بأمن إمدادات الطاقة.
ويلفت شاهين إلى وجود تقديرات أمنية إسرائيلية، خصوصاً داخل جهاز الموساد الإسرائيلي، تدفع باتجاه الخيار العسكري باعتباره الأكثر جدوى، عبر استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية بهدف إضعاف إيران على المدى الطويل وخلق ظروف داخلية قد تؤدي إلى اضطرابات سياسية واجتماعية تهدد استقرار النظام الإيراني.
منطق المصالح الأمريكية
ورغم ذلك، يرجّح شاهين أن يغلب ترمب في نهاية المطاف منطق المصالح الأمريكية، عبر البحث عن "اتفاق مرحلي" يمنحه مخرجاً سياسياً يمكن تسويقه داخلياً باعتباره إنجازاً. ووفق هذا السيناريو، كما يرى شاهين، قد يبدأ الاتفاق بإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية ووقف إطلاق النار، يلي ذلك الدخول في مفاوضات تمتد لشهر أو أكثر بشأن الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها البرنامج النووي ومصير اليورانيوم المخصب، ضمن صيغة انتقالية تمنح الطرفين فرصة لتبريد الأزمة.
ويبيّن شاهين أن الإدارة الأمريكية تواجه أيضاً ضغوطاً زمنية وسياسية متزايدة، من بينها اقتراب لقاء ترمب المرتقب مع الرئيس الصيني، حيث لا ترغب واشنطن في الذهاب إلى هذا اللقاء بينما جبهة الخليج مشتعلة، خاصة أن الصين تعد المستورد الأكبر للطاقة الإيرانية وتتأثر مصالحها بشكل مباشر من أي حصار أو اضطراب في مضيق هرمز.
استضافة أمريكا كأس العالم
ويشير شاهين إلى أن اقتراب استضافة الولايات المتحدة فعالية كأس العالم، إضافة إلى التراجع المحتمل في شعبية الجمهوريين مع اقتراب الانتخابات النصفية، يمثل عوامل ضغط إضافية على ترمب، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الوقود وانعكاسات الحرب الاقتصادية على المواطن الأمريكي.
ويؤكد شاهين أن شخصية ترمب وطريقته في اتخاذ القرار تجعل من الصعب التنبؤ بسلوكه السياسي، إذ قد يوافق على اتفاق انتقالي مؤقت، لكنه قد يندفع أيضاً نحو تصعيد "جنوني" قائم على سياسة اللعب على حافة الهاوية عبر تكرار محاولات الضغط العسكري على إيران، الأمر الذي قد يؤدي إلى حرب شاملة تشمل استهدافاً إيرانياً لمصالح أمريكية وخليجية وإسرائيلية.
الضغط على دوائر صنع القرار الإيرانية
ويوضح شاهين أن بعض التصريحات الأمريكية، بما فيها تصريحات روبيو بشأن رفض إيران للاتفاق المحتمل، تأتي في سياق الضغط على دوائر صنع القرار الإيرانية، خصوصاً المحيطة بالمرشد الإيراني، لدفعها نحو مواقف أقرب للمطالب الأمريكية، في وقت تواجه فيه إيران صعوبة في القبول بشروط تعتبرها انتهاكاً لسيادتها، رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية والطاقة والاقتصاد الإيراني خلال الجولة السابقة من التصعيد.
ويشير شاهين إلى أن السيناريوهات المطروحة تتوزع بين اتفاق مرحلي يخفف التوتر، أو استمرار حالة "اللا حرب واللا سلم" بما يشبه حرب استنزاف طويلة، أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تحمل تداعيات خطيرة على الخليج والاقتصاد العالمي، مؤكداً أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة "عض الأصابع"، حيث سيكون الخاسر هو الطرف الذي يصرخ أولاً.
إمكانية تهيئة الرأي العام لمرحلة قد تكون أكثر توتراً
ترى الكاتبة والباحثة السياسية د.تمارا حداد أن تصريحات روبيو حول الرفض عبر الترويج بشأن رفض إيران للاتفاق تحمل في جوهرها مؤشرات على استمرار سياسة "أقصى الضغوط" الأمريكية تجاه طهران، إلى جانب محاولات لإعادة التموضع السياسي وتهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لمرحلة قد تكون أكثر توتراً في العلاقة بين الجانبين.
وبحسب حداد، فإن المنطقة تعيش حالياً حالة من "التهدئة التكتيكية الهشة وغير المعلنة" بين الولايات المتحدة وإيران، وهي تهدئة تتسم بدرجة عالية من الهشاشة وسط تشابك الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والإقليمية، ما يجعل أي تطور سياسي أو ميداني قادراً على إعادة المشهد إلى دائرة التصعيد.
وتوضح حداد أن تصريحات روبيو بأن إيران رفضت الاتفاق تشير إلى سعي الإدارة الأمريكية لتحميل طهران مسؤولية تعثر المسار الدبلوماسي، خاصة بعد أسابيع شهدت حديثاً عن تهدئة مؤقتة ومحاولات لفتح قنوات تفاوض غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين ودوليين، سعوا إلى تقريب وجهات النظر ومحاولة التوصل إلى اتفاق إطاري بين الطرفين.
إعادة تشكيل الرواية السياسية
وتوضح حداد أن هذا النوع من التصريحات يُستخدم عادة لإعادة تشكيل الرواية السياسية أمام الداخل الأمريكي وحلفاء واشنطن الأوروبيين، بما يسمح للإدارة الأمريكية بإظهار نفسها كطرف منح الدبلوماسية فرصة، بينما تتحمل إيران مسؤولية إغلاق باب التفاهم.
وتشير حداد إلى أن رفض طهران لا يبدو نهائياً أو قاطعاً تجاه أي تسوية مستقبلية، بل قد يندرج ضمن محاولة لتحسين شروط التفاوض، لا سيما أن المقترح الأمريكي الأخير، الذي تضمن 14 نقطة، لا يلبي -بحسب التقديرات الإيرانية- الحد الأدنى من المطالب المتعلقة برفع العقوبات أو توفير ضمانات سياسية وأمنية تحول دون تراجع واشنطن عن أي اتفاق مستقبلي.
وتبيّن حداد أن التصعيد المتبادل في الخطاب السياسي يعكس تراجعاً ملحوظاً في مستوى الثقة بين الطرفين، وانتقال العلاقة تدريجياً من مرحلة "إدارة الاشتباك" إلى "إدارة التصعيد"، في ظل محاولات أمريكية للضغط على إيران ومنعها من كسب الوقت حتى الانتخابات النصفية الأمريكية، مقابل سعي طهران إلى إظهار أنها لا تزال تمتلك أوراق قوة تسمح لها بمقاومة الضغوط وعدم تقديم تنازلات استراتيجية.
معركة الردع النفسي والاستراتيجي
وتؤكد حداد أن الخطاب السياسي بات جزءاً من "معركة الردع النفسي والاستراتيجي"، في وقت تشهد فيه المنطقة مستويات توتر مرتفعة، ما يزيد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
وحول السيناريوهات المحتملة، ترجّح حداد استمرار "التصعيد المحدود" عبر ضربات متبادلة وعمليات أمنية أو عسكرية، مع استمرار التوتر في مضيق هرمز دون الوصول إلى حرب شاملة، معتبرة أن هذا السيناريو هو الأقرب، نظراً لإدراك الطرفين الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية الباهظة لأي مواجهة مفتوحة.
وتشير حداد إلى احتمال استمرار الهدنة الهشة الحالية مع بقاء قنوات التواصل غير المباشر، فيما يبقى السيناريو الأخطر متمثلاً في انهيار التهدئة بفعل حادث ميداني كبير قد يشعل جبهات متعددة تمتد تداعياتها إلى غزة ولبنان والعراق والملاحة الدولية.
وترى حداد أن تصريحات روبيو تبدو أقرب إلى إعلان دخول العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من الضغط المتبادل، أكثر من كونها إعلاناً نهائياً لفشل الدبلوماسية، محذرة من أن تضاؤل هامش المناورة وارتفاع منسوب التوتر يضعان المنطقة فوق "أرض شديدة الاشتعال" قد تنفجر بفعل أي خطأ في الحسابات السياسية أو العسكرية.
ترجيح التصعيد على فرص التهدئة
يعتقد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د.حسين الديك أن تصريحات روبيو بشأن الرفض الإيران للاتفاق لم تكن مفاجئة، بل تأتي في سياق مؤشرات متراكمة كانت تدفع باتجاه ترجيح سيناريو التصعيد على حساب فرص التهدئة والتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.
تيار قوي في إيران يرفض التنازلات
ويوضح الديك أن أحد أبرز أسباب تعثر الاتفاق يتمثل في وجود تيار قوي داخل إيران، تقوده قيادات في الحرس الثوري الإيراني، يرفض تقديم أي تنازلات جوهرية للولايات المتحدة.
وبحسب الديك، فإن هذا التيار ينظر بقلق إلى "اليوم التالي" لأي اتفاق محتمل، خشية أن يفتح الباب أمام مطالبات داخلية بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية جذرية، قد تدفع المواطنين الإيرانيين إلى الشارع للمطالبة بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإحداث تغييرات في طبيعة نظام الحكم القائم.
ويشير الديك إلى أن تصريحات روبيو تعكس وصول المسار التفاوضي إلى "طريق مسدود"، وقد تفتح الباب أمام خيارات أكثر تعقيداً وتشابكاً خلال الفترة المقبلة.
تنفيذ عمل عسكري محدود
ويرجح الديك أن يكون السيناريو الأقرب هو تنفيذ عمل عسكري محدود جرى التفاهم بشأنه بين القيادتين الأمريكية والإسرائيلية، مع وجود بنك أهداف واضح يشمل منشآت حيوية تتعلق بالبنية التحتية والطاقة والمنشآت الاقتصادية الإيرانية، بهدف شلّ مفاصل الاقتصاد الإيراني وتقليص نفوذ الحرس الثوري.
ويلفت الديك إلى أن هناك سيناريو آخر يتمثل في استمرار الحصار البحري الأمريكي والضغوط الاقتصادية لإجبار إيران على تقديم تنازلات، بالتوازي مع استمرار الوساطات، لكن فرص هذا السيناريو تبدو أضعف مقارنة بخيار الضربة المحدودة.
عملية أمريكية واسعة لفتح مضيق هرمز
ويطرح الديك احتمالاً ثالثاً يتمثل في تنفيذ الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة لفتح مضيق هرمز بالقوة والسيطرة على مواقع وجزر إيرانية استراتيجية في الخليج، في إطار ما يعرف بـ"عملية الحرية 2"، معتبراً أنه خيار قائم لكنه أقل ترجيحاً من سيناريو الضربة العسكرية المحدودة.
ويرى الديك أن واشنطن وتل أبيب تسعيان حالياً إلى كسر حالة الجمود السياسي والعسكري عبر ضربة "سريعة وحاسمة" تهدف إلى إحداث اختراق ميداني يجبر إيران على تقديم تنازلات، بما يعزز موقف التيار الإيراني المعتدل بقيادة الرئيس الإيراني، مقابل تقليص نفوذ المرشد والحرس الثوري.
صراع إرادات
ويرى الديك أن الأزمة الحالية باتت تمثل "صراع إرادات" على مستويين؛ داخلياً بين التيار المحافظ والتيار المعتدل في إيران، وخارجياً بين الإرادة الأمريكية–الإسرائيلية الساعية لفرض شروط اتفاق جديد، والموقف الإيراني الرافض لما يعتبره "اتفاق إذعان"، معتبراً أن الولايات المتحدة تتصرف باعتبارها قوة تسعى لفرض شروط المنتصر، فيما يبقى مسار الأحداث مرهوناً بنتائج أي مواجهة ميدانية محتملة قد تعيد رسم ملامح الاتفاق السياسي المقبل.
حجم الإحباط داخل إدارة ترمب
يرى أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل، د. سعيد شاهين، أن حديث روبيو حول رفض إيران للمقترح الأمريكي الأخير يعكس حجم الإملاءات والشروط التي يتضمنها، معتبراً أن هذه الشروط تقترب من تحقيق الهدف الأمريكي–الإسرائيلي المتمثل في فرض ما يشبه "إعلان استسلام" على طهران، وهو أمر غير قابل للتحقق في ظل طبيعة الموقف الإيراني وتعقيدات الصراع القائم.
وبحسب شاهين، فإن الموقف الإيراني الحالي لا يمكن فصله عن التجارب السابقة في العلاقة مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن إيران سبق أن وقعت اتفاقاً مع واشنطن عام 2015، كما خاضت جولات تفاوض أخرى بعد انسحابها من الاتفاق النووي، وكانت على وشك التوصل إلى اتفاق جديد قبل ساعات من اندلاع الحرب، إلا أن ضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفعت باتجاه بدء جولة جديدة من التصعيد العسكري، أملاً في إسقاط النظام الإيراني وإنهاء قدراته العسكرية المرتبطة بالبرنامجين الصاروخي والنووي.
ويشير شاهين إلى أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن رفض إيران للمقترح تعكس، في جانب منها، حجم الإحباط داخل إدارة ترمب، في ظل تزايد الضغوط الدولية والخليجية، والمخاوف المتصاعدة من احتمال إقدام إيران على استهداف الأصول الأمريكية والقواعد العسكرية المنتشرة في دول الخليج، وهو ما قد يفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية ويخلق حالة رفض داخل المجتمع الأمريكي للحرب، خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات وتداعياتها الاقتصادية.
إلقاء الكرة في ملعب طهران
ويعتبر شاهين أن تصريحات روبيو تحمل بعداً سياسياً يهدف إلى تحميل إيران مسؤولية أي تصعيد محتمل أو موجة قتال جديدة، عبر إلقاء الكرة في ملعب طهران وإظهارها كطرف يرفض الحلول المطروحة.
ورغم تقديره بأن ترمب لا يرغب حالياً في الذهاب نحو تصعيد عسكري واسع ويفضل الإبقاء على الضغوط الاقتصادية، وخاصة الحصار البحري المفروض على إيران، يحذّر شاهين من أن المنطقة تقف على "صفيح ساخن" قد يقود بالفعل إلى حرب إقليمية أوسع، معتبراً أن هذا السيناريو يتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية الساعية إلى استكمال ما تعتبره مهمة القضاء على النظام الإيراني وإعادة تشكيل شرق أوسط تهيمن عليه إسرائيل.
ويرى شاهين أن سياسة "الضغوط القصوى" التي تنتهجها إدارة ترمب، إلى جانب مساعي نتنياهو لاستئناف الحرب، تخلق بيئة سياسية وأمنية قد تدفع المنطقة نحو مزيد من الدمار وعدم الاستقرار، في حال فشل المساعي الرامية إلى احتواء التصعيد.
إمكانية الذهاب نحو مواجهة عسكرية مفتوحة
وبحسب شاهين، فإن رفض إيران للمقترح الأمريكي يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة، أولها الذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تستهدف ما تبقى من الصف الثاني للقيادة الإيرانية، إلى جانب إعادة استهداف مواقع أمنية وعسكرية ومنشآت نفطية.
ويشير شاهين إلى أن السيناريو الثاني يتمثل في انخراط أطراف أخرى إلى جانب واشنطن وتل أبيب، تحت مبرر الدفاع عن النفس في مواجهة هجمات إيرانية قد تطاول دول الخليج والقواعد الأمريكية المنتشرة فيها.
أما السيناريو الثالث، وفق شاهين، فيقوم على إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، بالتوازي مع تشديد الحصار الأمريكي بهدف خنق الاقتصاد الإيراني والضغط على الشارع الإيراني للتحرك ضد النظام.
نحو حافة الانفجار المنضبط
يرى الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية، محمد الرجوب، أن تصريحات روبيو بشأن رفض إيران للاتفاق يؤشر إلى انتقال العلاقة بين الطرفين من مرحلة "إدارة التوتر" إلى مرحلة "حافة الانفجار المنضبط".
ويشير الرجوب إلى أن تصريحات روبيو تعكس تعثراً تفاوضياً جديداً، وتكشف عمق الأزمة البنيوية التي تحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، موضحاً أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالملف النووي الإيراني وحده، بل باتت تتصل بطبيعة المشروع الإيراني الإقليمي ككل، بما يشمله من نفوذ سياسي وعسكري وشبكات تحالف إقليمية.
ويوضح الرجوب أن التصريحات الأمريكية الأخيرة، سواء الصادرة عن روبيو أو الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لم تأتِ في سياق تفاوضي طبيعي، بل تعكس بيئة سياسية وأمنية تتسم بتصاعد حدة الاشتباك العسكري غير المباشر، لا سيما في منطقة مضيق هرمز، وسط تهديدات متبادلة وارتفاع مستوى التوتر في الخليج، إلى جانب استمرار الخلافات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وشبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال العقدين الماضيين.
تحول نوعي في المقاربة الأمريكية
وبحسب الرجوب، فإن تصريحات روبيو تكشف عن تحول نوعي في المقاربة الأمريكية، إذ لم تعد واشنطن تنظر إلى الملف النووي باعتباره قضية تقنية مرتبطة بمنع تخصيب اليورانيوم أو إنتاج سلاح نووي فحسب، بل باتت تعتبره جزءاً من مشروع قوة إقليمية متكامل.
ويشير الرجوب إلى أن الإدارة الأمريكية تربط أي اتفاق مستقبلي بملفات أخرى تشمل الصواريخ الباليستية، والنفوذ العسكري الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فضلاً عن شبكة الحلفاء الإقليميين الذين تعتبرهم واشنطن أدوات ضغط إيرانية.
ويرى الرجوب أن هذا التحول يعني انتقال الولايات المتحدة من سياسة "احتواء البرنامج النووي" إلى سياسة "إعادة هندسة السلوك الإيراني"، عبر محاولة تقليص قدرة طهران على التأثير الإقليمي وإعادة ضبط مسارها السياسي والعسكري.
لهذه الأسباب يمكن أن ترفض إيران الاتفاق
في المقابل، تدرك إيران، وفق الرجوب، أن القبول بالشروط الأمريكية لا يعني مجرد تقديم تنازلات تقنية، بل قد يقود إلى تفكيك أدوات الردع التي بنت عليها مشروعها الإقليمي خلال سنوات، ما يفسر رفضها الاتفاق وإصرارها على الفصل بين ملفها النووي والتطورات العسكرية والسياسية الأخرى.
ويشير الرجوب إلى أن التصعيد الخطابي الأمريكي يعكس أيضاً وجود تيار نافذ داخل الإدارة الأمريكية يرى أن الضغط الاقتصادي والعسكري يمثل الوسيلة الوحيدة لدفع إيران نحو تنازلات استراتيجية.
تبرير مرحلة جديدة من التصعيد
ويعتبر الرجوب أن الحديث عن رفض الاتفاق قد يكون تمهيداً سياسياً وإعلامياً لتبرير مرحلة جديدة من التصعيد، خصوصاً في ظل استمرار العقوبات الأمريكية والتحركات العسكرية المتزايدة في الخليج، مع الإبقاء على نافذة تفاوض بشروط أمريكية مشددة.
ويعتبر الرجوب أن أخطر ما في المشهد الحالي يتمثل في دخول المنطقة في معادلة "الردع المتبادل الهش"، حيث تمتلك إيران قدرة على تهديد الملاحة والطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، بينما تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها تفوقاً عسكرياً قادراً على إلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، ما يجعل التوازن القائم أقرب إلى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار في أية لحظة.
رسالة موجهة إلى المجتمع الدولي
ويوضح الرجوب أن تصريحات روبيو تحمل أيضاً رسالة موجهة إلى المجتمع الدولي، ولا سيما أوروبا ودول الخليج والرأي العام الأمريكي، بهدف تحميل إيران مسؤولية فشل المسار التفاوضي وإظهار واشنطن كطرف منح فرصة للحل الدبلوماسي، بينما رفضت طهران الاستجابة، الأمر الذي يوفر غطاءً سياسياً وأخلاقياً لأي تصعيد عسكري أو عقوبات إضافية محتملة.
ويشير الرجوب إلى أن المنطقة تبدو أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة، أولها العودة إلى مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين للتوصل إلى تفاهمات مؤقتة، وثانيها استمرار "الحرب الرمادية" عبر العقوبات والضربات المحدودة والهجمات البحرية، أما السيناريو الأخطر فيتمثل بانزلاق غير محسوب نحو مواجهة إقليمية واسعة نتيجة خطأ عسكري أو سوء تقدير استراتيجي.
المصدر:
القدس