د. عبد الناصر مكي: إحياء المستوطنات المخلاة يأتي ضمن مشروع يستند لتوسيع السيطرة على الأرض وتكريس رؤية أيديولوجية بهدف تهجير الفلسطينيين
جمال جمعة: المخطط الجاري يقوم على إنشاء "قطع استيطاني" يفصل جنين وعزلها عن محافظات شمال الضفة الغربية ضمن مخطط الضم
محمد أبو علان دراغمة: إقامة المستوطنات الجديدة يؤدي للاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي ما ينعكس سلباً على الموارد الزراعية والاقتصادية
د. حسن بريجية: إعادة المستوطنين إلى صانور تأتي ضمن ما وصفه المستوطنون بـ"الفترة الذهبية" لتوسيع النفوذ الاستيطاني وفرض وقائع جديدة على الأرض
صلاح الخواجا: ما يجري في صانور لا يمكن فصله عن سياسة تعتبر الاستيطان أداة لتعزيز الأمن للمستوطنين وفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض
ياسر مناع: إعادة مستوطنة "صانور" تشكل حلقة جديدة في مشروع الضم الزاحف وضمن مسار عزل وفصل الفلسطينيين في الضفة الغربية
رام الله - خاص بـ "القدس"-
تتزايد المخاوف من أن إعادة المستوطنين إلى مستوطنة "صانور" المقامة على أراضي جنوب جنين لا تمثل خطوة معزولة، بل تأتي في إطار تحول أوسع في السياسة الإسرائيلية نحو تكريس السيطرة والضم على الضفة الغربية، عبر إحياء المستوطنات المخلاة، وتوسيع البؤر القائمة، وفرض وقائع جديدة على الأرض تهدد بتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، والقضاء على ما تبقى من فرص الحل السياسي.
ويرى مختصون ومسؤولون، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن هذه الخطوة تعكس انتقال الحكومة الإسرائيلية من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية بما يخدم مشروع الضم التدريجي طويل الأمد.
ويشيرون إلى أن التطورات الأخيرة في شمال الضفة الغربية تكشف عن مخطط يتجاوز حدود "صانور" نفسها، إذ يجري العمل على ربط الكتل الاستيطانية ببعضها البعض، وعزل مدن وقرى فلسطينية عن محيطها خاصة في شمال الضفة الغربية، من خلال شبكة من الطرق الالتفافية الاستيطانية والحواجز والبؤر الرعوية والمواقع العسكرية، مؤكدين أن هذا المسار يهدف إلى حصر الفلسطينيين داخل تجمعات سكانية ضيقة، وفصلهم عن أراضيهم الزراعية ومواردهم الطبيعية، بما يفرض واقعاً ديموغرافياً جديداً يصعب تغييره مستقبلاً.
وفي موازاة ذلك، تتزايد المخاوف من أن يؤدي التوسع الاستيطاني الجديد إلى تصعيد الاعتداءات الميدانية بحق الفلسطينيين، في ظل منح المستوطنين دعماً سياسياً وأمنياً غير مسبوق.
ويرون أن ما يجري في "صانور" يشكل نموذجاً لمرحلة جديدة من الاستيطان تقوم على الجمع بين التوسع العمراني والضغط الاقتصادي والأمني، بما يهدد بتقويض التواصل الجغرافي الفلسطيني، وإضعاف قدرة الفلسطينيين على البقاء، وفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً في الضفة الغربية خلال الأشهر المقبلة.
ساحة مفتوحة لفرض الوقائع
يؤكد الباحث المختص في شؤون الاستيطان د.عبد الناصر مكي أن عودة المستوطنين إلى مستوطنة "صانور" المقامة على أراضي قرية صانور جنوب جنين شمال الضفة الغربية، إلى جانب التوسع الاستيطاني المتسارع في مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية، تعكس تحولاً أعمق في توجهات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، التي باتت تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ساحة مفتوحة لفرض الوقائع السياسية والجغرافية على الأرض، بما يؤدي إلى تقويض أي إمكانية مستقبلية لإحياء عملية السلام.
ويوضح مكي أن إعادة إحياء المستوطنات التي أُخليت عام 2005، وفي مقدمتها صانور، لا يمكن قراءتها باعتبارها خطوة ميدانية معزولة، بل تأتي ضمن مشروع سياسي متكامل يستند إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، وتكريس رؤية أيديولوجية تقوم على تهجير الفلسطينيين وتعتبر أن لا مكان لهم في هذه الأرض.
ويشير مكي أن هذا المسار لا يقتصر على توسيع المستوطنات القائمة، وإنما يمتد إلى إعادة السيطرة على مناطق سبق الانسحاب منها، في مؤشر واضح على تراجع الالتزام الإسرائيلي بجميع التفاهمات والاتفاقيات السابقة.
انعكاسات سياسية خطيرة
ويلفت مكي إلى أن أخطر ما في هذه التطورات يتمثل في انعكاساتها السياسية، إذ إن عودة الاستيطان وتكثيفه تعني عملياً إغلاق الباب أمام أي تسوية سياسية مستقبلية، في ظل تبني الحكومة الإسرائيلية برامج جديدة تقوم على إلغاء الأسس التي قامت عليها الاتفاقيات الموقعة منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ويعتبر مكي أن المشهد الحالي يؤكد أن الحديث عن السلام لم يعد ضمن أولويات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل إن الاتجاه السائد أصبح نحو فرض وقائع أحادية الجانب، وعزل الفلسطينيين داخل مناطق مقطعة الأوصال عبر الحواجز العسكرية والنقاط الأمنية الجديدة.
ويبيّن مكي أن مناطق الأغوار الشمالية، ومسافر يطا، وجنوب الخليل، ومناطق التماس، مرشحة لأن تكون في صلب المرحلة المقبلة من التوسع الاستيطاني، خاصة في ظل منح المستوطنين تسهيلات غير مسبوقة لشراء الأراضي بشكل مباشر، من دون المرور بأي قنوات رقابية كانت معمولاً بها سابقاً.
مخاوف من تصاعد اعتداءات المستوطنين
ويعتبر مكي أن هذه السياسات تمثل ضوءاً أخضر رسمياً للمستوطنين لتوسيع نفوذهم، وإقامة مزيد من البؤر الاستيطانية، والعودة إلى المواقع التي سبق إخلاؤها.
ويؤكد مكي أن الحكومة الإسرائيلية أطلقت يد المستوطنين في الضفة الغربية، الأمر الذي انعكس في تصاعد الاعتداءات ضد الفلسطينيين في قرى عدة، من خلال عمليات قتل، وإحراق منازل ومركبات، وتخريب الممتلكات، والاعتداء على الأراضي الزراعية، حيث أن هذه الممارسات تأتي في سياق محاولة الحكومة استرضاء التيار الاستيطاني لأهداف سياسية وانتخابية داخلية.
تصاعد الاستيطان بشكل غير مسبوق
ويوضح مكي أن الاستيطان الإسرائيلي شهد توسعاً متدرجاً منذ عام 1968، لكنه بلغ مرحلة غير مسبوقة بعد السابع من أكتوبر 2023، حيث تسارعت إقامة البؤر الاستيطانية والرعوية بشكل لافت.
ويشير مكي إلى أن عدد المستوطنات في الضفة الغربية بلغ نحو 198 مستوطنة، إضافة إلى 452 بؤرة استيطانية، بينها 192 بؤرة أُنشئت خلال الفترة الأخيرة، في مؤشر على أن الضفة الغربية ستكون المحور الأساسي للمخططات الإسرائيلية المقبلة، بما يهدد الوجود الفلسطيني ويضع مستقبل القضية الفلسطينية أمام مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة.
مشروع استيطاني واسع
يحذر منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان والخبير في شؤون الاستيطان جمال جمعة من أن إعادة الاستيطان إلى منطقة صانور جنوب جنين لا تمثل مجرد عودة إلى مستوطنة أخليت عام 2005، بل تشكل حلقة مركزية في مشروع استيطاني واسع يستهدف إعادة رسم الخريطة الجغرافية والسياسية في شمال الضفة الغربية، عبر ربط الكتل الاستيطانية ببعضها البعض، وعزل المدن والقرى الفلسطينية، وتهيئة الأرض لفرض واقع ضم تدريجي طويل الأمد.
ويوضح جمعة أن محافظة جنين كانت تُعد الأقل تضرراً من الاستيطان مقارنة ببقية محافظات الضفة الغربية، ولا سيما بعد إخلاء خمس مستوطنات من المنطقة ضمن خطة الانسحاب الإسرائيلي عام 2005، الأمر الذي جعلها شبه خالية من الوجود الاستيطاني، إلا أن وصول الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي وضعت ملف الحسم والسيطرة على الأرض في مقدمة أولوياتها، أدى إلى تسارع غير مسبوق في مشاريع التوسع الاستيطاني، بما في ذلك التراجع عن قرار الانسحاب السابق والسماح بالعودة إلى المستوطنات التي تم إخلاؤها.
ويشير جمعة إلى أن إعادة الاستيطان في صانور لا تنفصل عن سلسلة قرارات إسرائيلية أخرى خطيرة، من بينها إجراءات تسجيل الأراضي للمستوطنين وفرض السيطرة على المواقع الأثرية الفلسطينية، بما يشمل المناطق المصنفة (أ) و(ب) و(ج)، في خطوة تهدف إلى نقل هذه المواقع إلى دائرة السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
ويلفت جمعة إلى أن هذا التوجه ينعكس بوضوح في المنطقة الممتدة بين صانور وسبسطية، حيث يحاول المستوطنون منذ فترة فرض سيطرة فعلية على الموقع الأثري في سبسطية ومنع الفلسطينيين من الوصول إليه، بما يحول المنطقة إلى حزام استيطاني واسع يتجاوز حدود المستوطنة نفسها.
فصل جنين عن محافظات الضفة
ويبيّن جمعة أن المخطط الجاري في شمال الضفة يقوم على إنشاء "قطع استيطاني" جديد يفصل جنين وعزلها عن محافظات شمال الضفة الغربية ضمن مخطط الضم، بحيث يكون ذلك القطع على غرار الممرات الاستيطانية التي تربط مستوطنات وسط الضفة بغور الأردن.
وبحسب جمعة، فإن خط القطع الجديد سيمتد من منطقة أم الريحان باتجاه صانور، ثم يتصل بمستوطنات حومش وغانيم وكاديم، قبل أن يمتد نحو الأغوار، بما يؤدي إلى فصل شمال الضفة عن وسطها، وتقطيع أوصال المحافظات الفلسطينية، وتحويل القرى إلى جيوب معزولة.
ويؤكد جمعة أن الأخطر في هذا المشروع لا يقتصر على البناء الاستيطاني وحده، بل يشمل انتشار البؤر الاستيطانية والرعوية حول القرى الفلسطينية، بحيث تُستخدم كأداة لتطويق التجمعات السكانية ومنع توسعها الطبيعي وعزلها عن أراضيها الزراعية.
ويشير إلى أن هذا النمط من الاستيطان يهدف إلى حصر الفلسطينيين داخل المناطق العمرانية فقط، ودفعهم تدريجياً إلى فقدان صلتهم بالأرض، تمهيداً لتطبيق خطة الضم التي تقوم على حشر الفلسطينيين في أضيق مساحة ممكنة داخل الضفة الغربية.
ويؤكد جمعة أن ما يجري على الأرض يسير عبر مسارين متوازيين، الأول هندسة جغرافية من خلال بناء المستوطنات وشق الطرق الاستيطانية وإقامة الحواجز والبنية التحتية العسكرية، والثاني خلق بيئة طاردة للفلسطينيين عبر تصاعد إرهاب المستوطنين.
هجمات بهدف التهجير
ويوضح جمعة أن الهجمات التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين باتت جزءاً من سياسة تهجير منظمة تستهدف التجمعات البدوية والريفية من جنوب الضفة إلى شمالها، بما يهدد قطاعات اقتصادية حيوية، وفي مقدمتها الثروة الحيوانية والزراعة.
ويشير جمعة إلى أن السيطرة على الأراضي الزراعية والينابيع وإغلاق الطرق الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، خاصة أشجار الزيتون، ينذر بانهيار تدريجي للقطاع الزراعي الفلسطيني، إلى جانب تعميق الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحواجز وتقييد الحركة. ويشدد جمعة على أن ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل أصبح حرباً مفتوحة على الوجود الفلسطيني، تُدار بوتيرة متسارعة في ظل غياب حماية دولية حقيقية، وفي إطار سباق سياسي إسرائيلي لفرض واقع جديد على الأرض، محذراً من أن الأشهر المقبلة ستشهد تصعيداً واسعاً باعتداءات المستوطنين والإجراءات الاستيطانية في الضفة الغربية، بما يخلق بيئة لتهجير المواطنين.
برنامج إسرائيلي رسمي لتوسيع الاستيطان
يؤكد الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن عودة النشاط الاستيطاني إلى مستوطنة "صانور" شمال الضفة الغربية تمثل تطوراً سياسياً وميدانياً بالغ الخطورة، يندرج ضمن مسار متسارع لتوسيع الاستيطان منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، التي تضم وزراء من التيار اليميني المتطرف، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذان جعلا من توسيع المستوطنات وشرعنة البؤر الاستيطانية جزءاً أساسياً من برنامج هذه الحكومة.
ويوضح دراغمة أن إعادة المستوطنين إلى صانور تشكل انقلاباً واضحاً على خطة فك الارتباط التي نفذتها إسرائيل عام 2005، عندما تم إخلاء عدد من المستوطنات في شمال الضفة الغربية.
رسالة سياسية مباشرة
وبحسب دراغمة، فإن هذه العودة تحمل في جوهرها رسالة سياسية مباشرة مفادها بأن الحكومة الإسرائيلية لم تعد ترى في الاتفاقات السابقة السياسية السابقة أي التزام يجب احترامه، بل باتت تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ساحة مفتوحة لإعادة رسم الخريطة السياسية والديموغرافية.
ويشير دراغمة إلى الهدف المعلن من قبل مسؤولين ووزراء إسرائيليين، الذين أكدوا خلال اقتحامهم لموقع مستوطنة "صانور" أن توسيع الاستيطان يهدف بصورة مباشرة إلى القضاء على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
ويؤكد دراغمة أن التوسع الاستيطاني الجاري في مختلف مناطق الضفة الغربية، بما في ذلك إعادة إحياء مستوطنات أخليت سابقاً، يأتي ضمن سياسة متدرجة تستهدف إنهاء حل الدولتين من خلال فرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
إجراءات ميدانية خطيرة
ويبيّن دراغمة أن المخاطر لا تقتصر على الجانب السياسي، وإنما تمتد إلى الواقع اليومي للفلسطينيين، حيث تؤدي إقامة المستوطنات الجديدة إلى الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، ما ينعكس سلباً على الموارد الزراعية والاقتصادية للسكان.
كما يسهم ذلك، بحسب دراغمة، في تقطيع أوصال الضفة الغربية، وعزل المدن والبلدات الفلسطينية عن بعضها البعض، بما يضاعف من معاناة السكان ويقيد حركتهم اليومية.
ويشير دراغمة إلى أن التوسع الاستيطاني يرفع كذلك مستوى الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين، الأمر الذي يزيد من احتمالات العنف، مشيراً إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعداً في اعتداءات المستوطنين التي أسفرت عن استشهاد عدد من الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث أن تلك الاعتداءات أصبحت جزءاً من بيئة يخلقها الاستيطان نفسه.
ويؤكد دراغمة أن البؤر الاستيطانية التي تبدأ غالباً كمواقع عشوائية، تتحول لاحقاً بقرارات حكومية إلى مستوطنات معترف بها تحصل على التمويل والخدمات والبنية التحتية، ما يجعل الاستيطان أداة سياسية تستخدمها إسرائيل لفرض سيطرة تدريجية أوسع على أراضي الضفة الغربية، وخصوصاً في المناطق المصنفة (ج)، بما يعمق من المخاطر على مستقبل الوجود الفلسطيني في تلك المناطق.
ترجمة مباشرة لقرار سياسي
يرى الباحث في شؤون الاستيطان د. حسن بريجية أن عودة المستوطنين إلى منطقة صانور جنوب جنين تمثل ترجمة مباشرة لقرار سياسي اتخذته الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، في إطار سياسة متسارعة تهدف إلى توسيع المشروع الاستيطاني وفرض مزيد من السيطرة على الأراضي الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية.
ويوضح بريجية أن الحكومة الإسرائيلية خصصت موازنات للاستيطان تفوق بنحو ثلاثة أضعاف ما كان مرصودًا خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن ما يقارب 80 بالمئة من هذه المخصصات يذهب بصورة مباشرة إلى دعم الاستيطان، سواء من خلال التوسع في المستوطنات القائمة أو عبر شرعنة البؤر الاستيطانية العشوائية وتحويلها إلى تجمعات معترف بها رسميًا من قبل سلطات الاحتلال.
ويؤكد أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الإجراءات الميدانية التي تشمل المصادقة على وحدات سكنية استيطانية جديدة، وإصدار أوامر عسكرية إضافية، إلى جانب قرارات وضع اليد على مساحات جديدة من الأراضي الفلسطينية.
ويعتبر بريجية أن إعادة المستوطنين إلى صانور، التي أخليت عام 2005، تأتي ضمن ما وصفه المستوطنون بـ"الفترة الذهبية" لتوسيع النفوذ الاستيطاني وفرض وقائع جديدة على الأرض.
التضييق على الفلسطينيين
ويشير بريجية إلى أن هذه السياسات لا تقتصر تداعياتها على صانور وحدها، بل تمتد إلى مختلف مناطق الضفة الغربية، محذرًا من انعكاسات خطيرة على حياة الفلسطينيين، خصوصًا في القطاعات الاقتصادية والزراعية والتعليمية والصحية، نتيجة تصاعد الاعتداءات على المواطنين ومصادرة الأراضي وتشديد القيود على الحركة والتنقل.
ويرى بريجية أن الهدف النهائي لهذه السياسات يتمثل في التضييق على الفلسطينيين، وإضعاف قدرتهم على البقاء في أراضيهم، من خلال خلق ظروف معيشية قاسية تمهد لمزيد من التوسع الاستيطاني خلال المرحلة المقبلة.
فرض "السيادة الإسرائيلية" على الضفة الغربية
يرى مدير مكتب الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان والخبير في شؤون الاستيطان صلاح الخواجا أن قرار سلطات الاحتلال إعادة المستوطنين إلى منطقة صانور جنوب جنين، والإعلان رسميًا عبر مجلس التخطيط والبناء الإسرائيلي عن إنشاء 126 كرفانًا ووحدة سكنية للمستوطنين، يمثل خطوة عملية تهدف إلى انتزاع اعتراف نهائي ورسمي بإقامة مستوطنة جديدة في المنطقة، ضمن سياسة تصعيدية تقودها الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة التيار اليميني المتطرف.
ويوضح أن هذه الخطوة تأتي في سياق المشروع الذي يتبناه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لفرض ما يسمى "السيادة الإسرائيلية" على أراضي الضفة الغربية، في تحدٍ واضح للضغوط الدولية والمواقف السياسية التي اعترفت فيها أكثر من 160 دولة بالدولة الفلسطينية، وكذلك في تحدٍ مباشر لفتوى لاهاي الصادرة عن محكمة العدل الدولية التي أكدت أن الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967 تخضع للولاية الفلسطينية.
ويشير الخواجا إلى أن ما يجري في صانور لا يمكن فصله عن موجة أوسع من التوسع الاستيطاني، لافتًا إلى الإعلانات الأخيرة بشأن إقامة 34 مستوطنة جديدة، بينها ست مستوطنات في محافظة جنين وحدها، في إطار سياسة تعتبر أن توسيع الاستيطان يشكل، وفق الرؤية الإسرائيلية الرسمية، أداة لتعزيز الأمن للمستوطنين وفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض.
ويوضح الخواجا أن المخططات الاستيطانية لا تقتصر على شمال الضفة الغربية، بل تمتد أيضًا إلى شرق القدس، في مناطق العيزرية وأبو ديس والسواحرة، حيث يجري العمل على ربط مستوطنتي "ميشور أدوميم" و"معاليه أدوميم"، بهدف تشكيل حزام استيطاني متصل يمنع أي توسع عمراني فلسطيني مستقبلي، ويُستخدم كوسيلة ضغط متواصلة لدفع السكان الفلسطينيين نحو التهجير القسري.
عزل الفلسطينيين عن أراضيهم ومواردهم
ويبيّن الخواجا أن أخطر ما في هذه السياسة يتمثل في عزل الفلسطينيين عن أراضيهم ومواردهم الطبيعية، عبر فرض شبكة من المستوطنات والبؤر والطرق العسكرية التي تعيد رسم الجغرافيا الفلسطينية بما يخدم مشروع الضم التدريجي، معتبرًا أن الحكومة الإسرائيلية تحاول تحويل الاحتلال العسكري المؤقت إلى واقع سياسي دائم.
ويؤكد الخواجا أن الخطاب الإسرائيلي تطور من اعتبار الضفة الغربية "أرضًا متنازعًا عليها" إلى تبني رواية تعتبرها "يهودا والسامرة"، في محاولة لإضفاء بعد ديني وتاريخي على مشروع السيطرة، مشيرًا إلى أن سموتريتش يسعى أيضًا إلى فرض السيطرة على أكثر من 2500 موقع أثري في مناطق (ج)، واعتبارها مواقع توراتية ضمن عملية تهويد ممنهجة للرواية التاريخية الفلسطينية.
ويشير إلى أن ما يجري هو جزء من منظومة أمنية متكاملة، سواء جدار الفصل العنصري، أو الاستيطان، أو الربط بالمستوطنات، أو المناطق العسكرية، أو الحواجز، والهدف منها خلق واقع لتأبيد الاستيطان، وتحويل مناطق الضفة لأسوأ نظام أبارتهايد عرفته البشرية.
ويحذر الخواجا من أن استمرار الصمت الدولي والعربي والإسلامي إزاء التوسع الاستيطاني يمنح حكومة الاحتلال وجمعيات المستوطنين مساحة أوسع لتنفيذ مشاريعها، رغم أن الاستيطان يُصنف وفق القانون الدولي وميثاق المحكمة الجنائية الدولية كجريمة حرب.
ويشدد الخواجا على أن جميع محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض لن تغير من الهوية الفلسطينية للأرض، مؤكدًا أن فلسطين، بتاريخها وتراثها ومكانتها الدينية، ستبقى فلسطينية رغم تسارع المشروع الاستيطاني وسياسات الضم المتواصلة.
ويحذر الخواجا من أن استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، خاصة في مناطق مثل صانور وجنين، سيؤدي إلى مزيد من عزل التجمعات الفلسطينية، وتقييد التنمية الاقتصادية والزراعية، وخلق واقع جغرافي جديد يخدم مشروع الضم، في ظل غياب ردع دولي فاعل يوقف سياسات الاحتلال ويحد من تصاعد الانتهاكات الميدانية.
ضم الضفة الغربية تدريجياً
يؤكد الكاتب والباحث المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع عودة المستوطنين إلى مستوطنة "صانور" المقامة على أراضي قرية صانور جنوب جنين شمال الضفة الغربية تمثل خطوة جديدة في سياق السياسة الإسرائيلية الرامية إلى ضم الضفة الغربية تدريجياً، وفصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض، عبر إعادة تشكيل الواقع الميداني بما يخدم المشروع الاستيطاني طويل الأمد.
ويوضح أن إسرائيل لم تعد تكتفي بتوسيع المستوطنات القائمة، بل انتقلت إلى إعادة إحياء المستوطنات التي أُخليت في إطار خطة فك الارتباط عام 2005، مشيراً إلى أن "صانور" كانت واحدة من المستوطنات التي أُزيلت آنذاك في شمال الضفة، قبل أن تعيد الحكومة الإسرائيلية فتح ملفها مجدداً، في خطوة ذات أبعاد سياسية وميدانية متشابكة.
ويشير مناع إلى أن مشاركة وزراء إسرائيليين في مراسم إعادة الاستيطان في أبريل/نيسان 2026، إلى جانب طرح مخطط لبناء 126 وحدة سكنية جديدة في الموقع، يعكس توجهاً رسمياً لإعلان انتهاء مرحلة الانسحاب، واستبدالها بسياسة توسع استيطاني أكثر وضوحاً، تستهدف نقل مناطق شمال الضفة، وخاصة محيط جنين ونابلس، من مناطق ذات تواصل فلسطيني نسبي إلى مناطق مفتوحة أمام الوجود الاستيطاني والحماية العسكرية وشبكات الطرق الالتفافية الاستيطان.
تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني
ويلفت مناع إلى أن أخطر ما في هذه الخطوة يتمثل في تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني، وفرض واقع أمني جديد عبر الحواجز والمناطق العازلة والبنية العسكرية المحيطة بالمستوطنة، بما يؤدي إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية خارج حدود البناء نفسه.
ويؤكد مناع أن إعادة مستوطنة "صانور" المقامة على أراضي قرية صانور جنوب جنين لا تمثل مجرد توسع استيطاني محدود، بل تشكل حلقة جديدة في مشروع الضم الزاحف، وضمن مسار عزل وفصل الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتفتح الباب أمام مزيد من اعتداءات المستوطنين المتواصلة يومياً.
المصدر:
القدس