تشهد الساحة اللبنانية تعقيدات متلاحقة عقب إطلاق الرئيس جوزيف عون مبادرة للتفاوض المباشر مع القيادة الإسرائيلية، في خطوة تعكس تبدلاً في الحسابات السياسية. وتأتي هذه المبادرة في ظل تقديرات وصفت بأنها لم تكن دقيقة بشأن حجم المطالب الأمريكية والإسرائيلية المتعلقة بسلاح المقاومة ومستقبل الوضع اللبناني العام.
أفادت مصادر بأن الضغوط الأمريكية تزايدت بشكل ملحوظ، حيث عبرت واشنطن عن إلحاحها في ملف نزع السلاح، بينما صعد الاحتلال الإسرائيلي من عملياته العسكرية للضغط على صانع القرار في بيروت. وقد ترافق ذلك مع محاولات لإحراج الرئاسة اللبنانية عبر منصات دولية، في حين بدا أن هناك توجهاً لتعزيز أوراق قوى سياسية أخرى على حساب مؤسسة الرئاسة.
في ظل هذا الانسداد، جنحت المداولات داخل أروقة القرار في بعبدا نحو إحداث استدارة كاملة في السياسة الخارجية عبر طرح خيار المفاوضات المباشرة. وتستند هذه المقاربة إلى فرضية أن ميزان القوى قد حسم لمصلحة المحور الأمريكي الإسرائيلي، وهو ما يتقاطع مع رؤى قوى محلية طالبت منذ أمد بتبني هذا المسار كحل للأزمة الراهنة.
ميدانياً، أطلقت واشنطن يد تل أبيب في إدارة حرب شاملة تهدف إلى إخضاع الدولة اللبنانية وتصفية قدرات المقاومة العسكرية. ورغم حشد الاحتلال لنخبة قواته، إلا أنه اصطدم بمقاومة ضارية اتسمت بالتكيف والصلابة، واستخدمت مسيرات مستعصية على الرصد، مما استنزف المهل الزمنية التي وضعها بنيامين نتنياهو لتحقيق أهدافه.
أقرت مصادر إسرائيلية بالعجز عن تفادي الخسائر البشرية والمادية الجسيمة، مما دفع أصواتاً داخل الكيان للمطالبة بالانسحاب وحصر الأهداف في تأمين مستوطنات الشمال. هذا التراجع النسبي في الطموحات الميدانية تزامن مع صمود إقليمي غير متوقع، مما أدى إلى استحضار مبادرة الرئيس عون مجدداً بعد فترة من التجاهل المتعمد.
سارعت الأطراف المعنية في بيروت وواشنطن وتل أبيب إلى ترتيب لقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى، شملت اجتماعات بين سفراء الجانبين بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد حدد ترامب سقفاً زمنياً مدته ثلاثة أسابيع لعقد لقاء مباشر بين رئيسي لبنان وإسرائيل، في خطوة تهدف لتحقيق انتصار سياسي ومعنوي لواشنطن.
بالتوازي مع هذه التحركات الدبلوماسية، لم يتوقف إطلاق النار بل استمر العدوان الإسرائيلي بزخم أكبر، حيث أكدت الخارجية الأمريكية على ما أسمته 'حق الدفاع عن النفس' للاحتلال. وركزت التفاهمات الأولية على التعاون لنزع سلاح المقاومة، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لفرض اتفاق إذعان على الدولة اللبنانية تحت وطأة القصف.
على الجبهة الأخرى، انخرطت المقاومة مجدداً في الصراع منذ مطلع آذار الماضي، معلنة مرحلة جديدة من التصدي للاعتداءات الإسرائيلية بعد فترة من الترقب. وقد فاجأت هذه العودة الميدانية الدوائر الاستخباراتية، حيث أظهرت المقاومة قدرة عالية على التعافي والاستفادة من تجارب المواجهات السابقة لتوجيه ضربات أكثر إيلاماً.
رغم التصعيد الميداني الذي وصل إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، يواصل الفريق الرئاسي تمسكه بخيار التفاوض، وسط تحذيرات من أن يؤدي هذا المسار إلى فتنة داخلية. وقد لوحظت تحركات دولية وعربية لتدارك الموقف ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة غير مسيطر عليها، خاصة مع فشل محاولات زج الجيش اللبناني في صدام مباشر مع المقاومة.
يتمسك المدافعون عن خيار المقاومة بالثوابت التاريخية التي أرستها وثيقة الوفاق الوطني 'الطائف'، والتي أكدت على دعم كافة الوسائل لتحرير الأرض من الاحتلال. ويشدد هؤلاء على أن أي محاولة لتزوير التاريخ أو القفز فوق البيانات الوزارية السابقة التي شرعت المقاومة، ستكون مغامرة خطيرة تهدد الاستقرار الوطني وتخدم المشروع الصهيوني في المنطقة.
المصدر:
القدس