شهدت الساعات الأخيرة بروز بوادر تفاؤل حذر في الأوساط الدولية حيال إمكانية توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق يقضي بمهلة زمنية قصيرة للتفاوض المكثف. وتتركز هذه المفاوضات على نقاط خلافية جوهرية، برز على رأسها ملف فتح مضيق هرمز، وهو التطور الذي وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمفاجئ نظراً لتأثيره المباشر على حركة التجارة والطاقة العالمية.
لقد كشفت الحرب الجارية عن هشاشة النظام العربي الذي يعاني أصلاً من تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. وزاد من حدة هذا الانكشاف دخول جبهات مساندة من لبنان واليمن، مما وضع الدول العربية، وخاصة حلفاء واشنطن من خارج ناتو، في مواجهة مباشرة مع أضرار اقتصادية وأمنية جسيمة لم تنجح الضمانات الأمريكية في درئها.
تعد المفاجأة الأبرز في هذا السياق هي إعلان دولة الإمارات انسحابها من منظمتي أوبك وأوبك+، بالتزامن مع انعقاد قمة مجلس التعاون الخليجي في جدة. هذه الخطوة التي حظيت بترحيب واشنطن، كشفت عن فجوة عميقة بين أبوظبي والرياض، وأظهرت رغبة إماراتية في التحلل من الالتزامات النفطية الجماعية التي تقودها السعودية.
لم تتوقف التداعيات عند الملف النفطي، بل امتدت لتشمل تقارير عن احتمال انسحاب الإمارات من جامعة الدول العربية بعد انتقادات حادة وجهها مسؤولون إماراتيون لبطء استجابة الجامعة تجاه التهديدات الإيرانية. وقد استدعى هذا التوتر زيارات مكوكية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لمحاولة احتواء الموقف ومنع انهيار العمل العربي المشترك.
على الصعيد العسكري، كشفت مصادر إعلامية غربية عن تعاون أمني غير مسبوق بين تل أبيب وأبوظبي، شمل إرسال منظومة القبة الحديدية وطواقم إسرائيلية لتشغيلها. كما تضمنت المساعدات العسكرية تزويد الإمارات بأسلحة متطورة لم تدخل الخدمة الفعلية في الجيش الإسرائيلي بعد، مما جعلها هدفاً مباشراً لبعض الهجمات الإيرانية خلال فترة الحرب.
هذه التحولات دفعت دولاً عربية أخرى لإعادة تموضعها الاستراتيجي، حيث برزت مصر كلاعب فاعل في ملفات إقليمية متعددة. وأعلنت القاهرة استعدادها لنشر قوات عسكرية في الصومال، في خطوة تهدف لمواجهة التحركات الإسرائيلية المتزايدة في منطقة 'أرض الصومال' الاستراتيجية، مما يعكس صراع نفوذ محتدم في القرن الأفريقي.
وفي السودان، اتهمت الحكومة التي يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان كلاً من إثيوبيا والإمارات بالمسؤولية عن هجمات استهدفت مطار الخرطوم الدولي. وتأتي هذه الاتهامات في ظل حالة من الاستقطاب الإقليمي الحاد، حيث تتداخل المصالح العسكرية والسياسية بين القوى المحلية والقوى الإقليمية الداعمة لها.
المشهد الدبلوماسي شهد أيضاً تحركات لافتة تمثلت في تقارب مصري سوري تجسد بزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة. هذا التقارب يتزامن مع تشكل محور جديد يضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان، في محاولة لخلق توازن قوى قادر على التعامل مع تداعيات الحرب على إيران وطموحات إسرائيل التوسعية.
يسعى بنيامين نتنياهو من خلال هذه الحرب إلى استكمال تصفية القضية الفلسطينية ورسم حدود جديدة تشمل أجزاء من لبنان وسوريا. ويطمح المشروع الإسرائيلي المعلن إلى تحويل إسرائيل إلى 'قوة عظمى' تقود تحالفاً اقتصادياً وعسكرياً يمتد من شرق أفريقيا عبر الخليج وصولاً إلى الهند، ليكون بديلاً عن المنظومات الإقليمية التقليدية.
إن فشل فكرة الأمن الجماعي التي تأسس بناءً عليها مجلس التعاون الخليجي عام 1981 أصبح حقيقة واقعة بعد الحرب الأخيرة. فقد أثبتت الأحداث أن الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الأمريكية لم يحقق الردع المطلوب، بل أدى إلى استنزاف موارد المنطقة وتركها مكشوفة أمام التهديدات الإقليمية المتزايدة.
ختاماً، يرى مراقبون أن النظام العربي يمر بمرحلة 'رجل مريض' جديدة، حيث تتسارع عمليات التقسيم وإعادة التشكيل. وبينما تحاول بعض القوى العربية استعادة زمام المبادرة، تظل المخاوف قائمة من أن تؤدي أي تسوية بين واشنطن وطهران إلى 'سايكس بيكو' جديدة تكرس النفوذ الأجنبي على حساب المصالح العربية العليا.
المصدر:
القدس