آخر الأخبار

عنف المستوطنين يلاحق مهجري الأغوار في قرية العوسج

شارك

لم تكن رحلة النزوح التي خاضتها العائلات البدوية من منطقة رأس العوجا في الأغوار الفلسطينية سوى انتقال من معاناة إلى أخرى أشد قسوة. فبعد أن ظن السكان أن لجوءهم إلى قرية العوسج شمال مدينة أريحا سيوفر لهم الأمان، وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع ذات المستوطنين الذين هجروهم من مساكنهم الأصلية، لتبدأ فصول جديدة من الملاحقة والترهيب الممنهج.

يروي المواطن سليمان زايد، أحد المهجرين من تجمع شلال العوجا أن تهديدات المستوطنين لم تتوقف عند حدود الاعتداء الجسدي، بل وصلت إلى توجيه رسائل صريحة تطالبهم بالرحيل النهائي نحو الأردن. وأكد زايد أن المستوطنين يقتحمون منازلهم الجديدة بعد تخريب السياج المحيط بها، مستخدمين طائرات مسيرة لانتهاك خصوصية العائلات وبث الرعب في نفوس الأطفال والنساء.

وتشير الشهادات الميدانية إلى أن الاعتداءات التي يتعرض لها السكان في موقع نزوحهم الحالي تنفذها المجموعات الاستيطانية ذاتها التي كانت تهاجمهم في شلال العوجا. هذا الإصرار على الملاحقة يعكس خطة ممنهجة تهدف إلى تضييق الخناق على الوجود الفلسطيني في مناطق الأغوار، ودفع السكان نحو هجرات متتالية تنتهي بإخلاء المنطقة بالكامل لصالح التوسع الاستيطاني.

المعاناة لا تقتصر على التهديدات الأمنية، بل تمتد لتشمل تدمير المقومات الاقتصادية لهذه العائلات التي تعتمد بشكل أساسي على تربية الماشية. فقد سجلت المنطقة فقدان نحو 1500 رأس من الأغنام خلال العام الماضي، منها 400 رأس تعود لعائلة زايد وحدها، دون أن تتلقى هذه العائلات أي تعويضات تمكنها من الصمود في وجه سياسات الإفقار المتبعة ضدها.

وفي ظل هذا الواقع المرير، تفتقر قرية العوسج والمناطق المحيطة بها لأبسط الخدمات الأساسية والبنية التحتية الضرورية للحياة الآدمية. وتعاني العائلات من غياب المراكز الصحية وشبكات المياه والكهرباء، مما يجعل العيش في هذه المناطق تحدياً يومياً، خاصة في حالات الطوارئ الطبية التي قد تؤدي إلى الوفاة نتيجة بعد المسافة عن أقرب مستشفى.

لو كنا نعلم أن الترحيل القسري الذي تعرضنا له سوف يكون مذلاً لهذه الدرجة، لكنا متنا في أماكننا بدلاً من النزوح.

ويمثل التعليم عبئاً إضافياً على كاهل العائلات المهجرة، حيث يضطر الأطفال لقطع مسافة تصل إلى 12 كيلومتراً ذهاباً وإياباً للوصول إلى مدارسهم. وخلال هذه الرحلة الشاقة، يتعرض الطلاب لاعتداءات متكررة من قبل المستوطنين الذين يكمنون لهم ويرشقونهم بالحجارة، مما دفع العديد من الأطفال لرفض الذهاب للمدرسة خوفاً على حياتهم.

وتؤكد مصادر محلية أن ما يحدث في الأغوار هو جزء من سياسة أوسع يقودها وزراء متطرفون في حكومة الاحتلال، تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي في الضفة الغربية. وتتنوع أساليب العنف بين الاعتداء المباشر، وتخريب الممتلكات، ومنع الرعي، وصولاً إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة في مراقبة وترهيب التجمعات البدوية المعزولة.

وبحسب معطيات رسمية صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد شهد شهر أبريل الماضي تصعيداً خطيراً بواقع 1637 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون. وأوضحت الهيئة أن المستوطنين وحدهم كانوا مسؤولين عن 540 اعتداءً استهدفت بشكل مباشر المواطنين وممتلكاتهم في مختلف مناطق التماس، مع تركيز خاص على التجمعات البدوية.

ومنذ بدء العدوان الأخير في أكتوبر 2023، تسارعت عمليات التهجير القسري لتشمل أكثر من 79 تجمعاً بدوياً فلسطينياً في الضفة الغربية. وأدت هذه الاعتداءات إلى تشريد ما يزيد عن 814 عائلة، تضم أكثر من 4700 مواطن، وجدوا أنفسهم بلا مأوى أو مصدر رزق بعد تدمير تجمعاتهم والاستيلاء على أراضيهم الرعوية.

ويبقى صمود الفلسطينيين في الأغوار معلقاً بمدى توفر الدعم والمساندة من الجهات الرسمية والحقوقية لمواجهة هذه الهجمة الاستيطانية الشرسة. فبدون تعزيز مقومات البقاء وتوفير الحماية الدولية، ستظل هذه العائلات فريسة لمخططات التهجير التي لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل تلاحقهم في كل شبر يحاولون الاستقرار فيه.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا