في تحول فكري وتاريخي لافت، أعلن المؤرخ الإسرائيلي الأمريكي عومر بارتوف، أحد أبرز خبراء الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة براون، استنتاجه بأن إسرائيل ارتكبت فعلياً جريمة إبادة جماعية في قطاع غزة. وجاء هذا الإعلان بعد عامين من التردد والبحث، حيث وثق بارتوف رؤيته في مقالات نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، مما أثار ردود فعل واسعة في الأوساط الأكاديمية والسياسية العالمية.
ويرى بارتوف في كتابه الجديد 'إسرائيل: ما الخطأ الذي حدث' أن ما يجري في غزة ليس مجرد خلل عارض أو انحراف مؤقت عن مسار الدولة، بل هو نتاج أيديولوجيا تتبنى التفوق العرقي والقومي. وأشار إلى أن الصهيونية، بصيغتها الحالية، باتت تشكل عائقاً أمام تحول إسرائيل إلى دولة طبيعية، مؤكداً أن قدرة هذه الأيديولوجيا على إنتاج إبادة جماعية تجعل من استمرارها أمراً مستحيلاً وغير مشروع.
وعلى الرغم من حدة انتقاداته، يواجه بارتوف صراعاً داخلياً في تعريف هويته السياسية، حيث يرفض حتى الآن وصف نفسه بـ 'المناهض للصهيونية' رغم أن طروحاته تقود إلى هذه النتيجة بشكل مباشر. ويعزو مراقبون هذا التردد إلى التنشئة الصهيونية العميقة التي تجعل من التخلي عن هذا المسمى خيانة أو هرطقة في الوعي الإسرائيلي، حتى بالنسبة للمثقفين المقيمين في المنفى.
وتشير القراءات التحليلية لمواقف بارتوف إلى وجود فجوة بين إيمانه بـ 'صهيونية نقية' سابقة وبين الواقع الدموي الحالي، حيث يفترض المؤرخ أن انحرافاً أصاب مسار الدولة التي كانت توصف بـ 'النبيلة'. إلا أن الوقائع التاريخية تشير إلى أن جذور الإقصاء ونزع الملكية بدأت منذ فجر الصهيونية، ولم تكن وليدة اللحظة أو مرتبطة فقط بصعود اليمين المتطرف المتمثل في نتنياهو وبن غفير.
إن جوهر الأزمة يكمن في الإيمان بتفوق مجموعة عرقية أو دينية بين النهر والبحر، وهو ما يجعل الصهيونية تتشابه مع أنظمة أيديولوجية شمولية سابقة لم تقبل التشكيك في مبادئها. ويؤكد بارتوف أن استمرار إسرائيل تحت هذه المظلة سيمنعها من الاندماج في سياق الدول الطبيعية، خاصة وأن ممارساتها في غزة قد حطمت الحواجز الأخلاقية التي كانت تحاول الاختباء خلفها لعقود طويلة.
ختاماً، يمثل موقف بارتوف صرخة من داخل المؤسسة الأكاديمية المرتبطة بالهوية الإسرائيلية، وهي دعوة لتحطيم الحظر المفروض على نقد الصهيونية كفكر سياسي. فالمطالبة باختفاء هذه الأيديولوجيا لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة يفرضها الواقع الإنساني والقانوني بعد ما شهدته غزة من فظائع، مما يضع المجتمع الدولي والأكاديمي أمام استحقاقات جديدة لمواجهة تعريفات التفوق العرقي.
المصدر:
القدس