صدر حديثاً عن مركز فينيق للبحوث والدراسات الحقلية في غزة كتاب بعنوان 'الصراع الديموغرافي في فلسطين، من النكبة إلى حرب الإبادة'، للباحثين جمال البابا وهاني طالب. يقدم الكتاب دراسة تحليلية معمقة تقع في 250 صفحة، متناولاً السياسات السكانية كأداة للتحكم في عدد السكان وتوزيعهم الجغرافي، وكيفية تسخيرها لإعادة ترتيب المجال البشري وفق أهداف سياسية واستراتيجية.
يرى المؤلفان أن الديموغرافيا في الحالة الفلسطينية تتجاوز مجرد الأرقام الإحصائية لتصبح في قلب الصراع على الأرض والسيادة. فالسياسات السكانية تنخرط مباشرة في تثبيت السيطرة عبر التحكم في عناصر الخصوبة والوفيات والهجرة، وهي أدوات تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع البشري بما يخدم المشاريع الاستيطانية أو يعزز مشاريع المقاومة والصمود.
يستعرض الكتاب الخلفية التاريخية للتركيب السكاني في فلسطين، موضحاً كيف تحول التوازن من حالة استقرار تاريخية قبل عام 1948 إلى وضع مشحون بالتدخلات الموجهة. فقد ساهم الانتداب البريطاني في توفير إطار قانوني وإداري للهجرة اليهودية المنظمة، مما حولها من حركة فردية إلى أداة لإعادة رسم الخريطة السكانية وامتلاك الأرض.
يشير الباحثان إلى أن الاختلال الديموغرافي الذي تكرس بعد النكبة لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم سياسات استعمارية تفاعلت فيها الهجرة مع عمليات شراء الأراضي. هذا المسار أنتج واقعاً سكانياً جديداً أدى إلى تفكك العديد من التجمعات الفلسطينية تحت ضغط التحولات القسرية وبروز البؤر الاستيطانية المكثفة.
تتوقف الدراسة عند محطة السابع من أكتوبر 2023، معتبرة إياها منعطفاً حاسماً في مسار التحولات الديموغرافية الفلسطينية. فقد أدت العمليات العسكرية وتدمير البنية التحتية إلى موجات نزوح داخلي واسعة النطاق، مما أعاد توزيع السكان داخل قطاع غزة بشكل قسري وغير مسبوق.
يوضح الكتاب أن آثار الحرب تجاوزت المواجهة العسكرية لتطال البنية الاجتماعية العميقة، حيث أدى ارتفاع معدلات الوفيات والنزوح الطويل إلى تغيير في التركيبة العمرية. هذه التحولات، المرتبطة بأفعال القتل والتطهير العرقي، تهدف إلى إضعاف الحضور الفلسطيني في مناطق استراتيجية ومنح السيطرة الميدانية بعداً ديموغرافياً مباشراً.
رغم الظروف الضاغطة، يؤكد المؤلفان أن المجتمع الفلسطيني يمتلك ديناميات صمود تعيد إنتاج الحضور السكاني رغم التهجير. فالعامل الديموغرافي يتحول في هذا السياق إلى عنصر مقاومة، حيث تساهم معدلات الخصوبة المرتفعة والتركيبة الشابة في الحفاظ على طاقة سكانية قادرة على التأثير في المدى الطويل.
تواصل سلطات الاحتلال توظيف أدوات متعددة للهندسة السكانية، يبرز منها الاستيطان كركيزة أساسية لفرض واقع جغرافي يصعب تفكيكه. وتترافق هذه السياسات مع قيود مشددة على البناء والحركة للفلسطينيين، مما يدفع نحو أنماط من النزوح الصامت الذي يعيد تشكيل التوزيع البشري ببطء لصالح المستوطنين.
يتناول الكتاب تباين شروط النمو السكاني الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل المحتل، حيث تؤدي الهجرة الداخلية والخارجية دوراً في إعادة رسم الخريطة. ويشير الباحثان إلى ضعف الأدوات المؤسسية الفلسطينية القادرة على بلورة سياسات سكانية منظمة لمواجهة التحديات الراهنة.
يطرح المؤلفان أربعة سيناريوهات لمستقبل الصراع الديموغرافي، أولها استمرار الاتجاهات الحالية في النمو والتوزيع ضمن نسق تدريجي وبطيء. هذا السيناريو يفترض بقاء العوامل المؤثرة في وضع قريب من الراهن دون حدوث انعطافات حادة في موازين القوى البشرية.
أما السيناريو الثاني فيتوقع مساراً أكثر حدة يرتبط بتصاعد المواجهات العسكرية أو تكثيف السياسات القسرية، مما قد يؤدي إلى نزوح واسع وإعادة توزيع قسري للسكان. هذا المسار من شأنه أن يعمق الاختلالات الديموغرافية في زمن وجيز ويغير معالم الخريطة بشكل جذري.
ويفترض السيناريو الثالث أن استمرار معدلات الخصوبة العالية لدى الفلسطينيين سيؤدي إلى تحول في الميزان العددي لصالحهم على المدى الطويل. هذا الاحتمال يعتمد على القدرة التراكمية للديناميات الداخلية الفلسطينية في تعزيز الحضور السكاني في مختلف المناطق التاريخية.
ويتعلق السيناريو الرابع بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية تعيد تنظيم التوزيع السكاني وتخفف من حدة التوتر القائم. ويرى الباحثان أن هذا المسار يظل رهيناً بإرادات سياسية معقدة وتوازنات دولية وإقليمية يصعب ضبطها في ظل الواقع الميداني الحالي.
في الختام، يثني الكتاب على اعتبار صراع الهيمنة عملية متحركة تتجاوز الميدان العسكري لتطال بنية المجتمع. ورغم بعض الملاحظات النقدية حول تأخر ربط المفاهيم النظرية بالواقع الميداني، يظل العمل إضافة نوعية تضع الديموغرافيا في مركز التفكير الاستراتيجي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
المصدر:
القدس