يسلط كتاب 'الحرب الإيرانية الإسرائيلية: متى ستنتهي؟' للمؤلف كلاودز مايكل، الضوء على التحولات الدراماتيكية في الشرق الأوسط، متتبعاً جذور العداء منذ اقتحام البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في طهران عام 1979. ويرى المؤلف أن هذا التاريخ مثل نهاية 'استراتيجية المحيط' التي اعتمدتها تل أبيب لبناء تحالفات مع دول غير عربية، لتبدأ مرحلة بناء 'محور المقاومة' الذي غير موازين القوى الإقليمية.
تطورت العلاقة العدائية لتصبح تهديداً وجودياً مع صعود حزب الله في لبنان، الذي وصفه الكتاب بأنه 'أقوى سلاح إيراني'، حيث امتلك بحلول عام 2023 ترسانة ضخمة تجاوزت 150 ألف صاروخ. هذا الاستثمار الإيراني الذي كلف عشرات المليارات، مكن طهران من خلق شبكة ردع إقليمية قادرة على استنزاف القدرات العسكرية الإسرائيلية بتكلفة منخفضة نسبياً مقارنة بالجيوش التقليدية.
يمثل الملف النووي الإيراني المحرك الأساسي للتصعيد الحالي، خاصة بعد تقرير وكالة الطاقة الذرية في يونيو 2025 الذي كشف عن امتلاك طهران يورانيوم مخصباً يكفي لإنتاج تسعة رؤوس نووية. واعتبرت مصادر استراتيجية أن وصول إيران إلى عتبة التخصيب بنسبة 84% وضع المنطقة على حافة انفجار شامل، حيث لم تعد أدوات التخريب السري قادرة على كبح الطموح النووي الإيراني.
شكلت أحداث أكتوبر 2023 نقطة الانهيار للاستقرار الهش، حيث تسببت حرب غزة في تفعيل جبهات متعددة شملت لبنان واليمن والعراق وسوريا. ورغم محاولات الأطراف الحفاظ على قواعد الاشتباك، إلا أن استهداف القنصلية الإيرانية بدمشق واغتيال قادة بارزين مثل إسماعيل هنية وحسن نصر الله دفع المواجهة إلى مرحلة الصدام المباشر بين طهران وتل أبيب.
دخلت المنطقة في فبراير 2026 مرحلة الحرب المفتوحة التي طالت تداعياتها دول الخليج والنظام المالي العالمي، وسط عجز دولي عن احتواء الصراع. وأدت هذه المواجهة إلى أزمة طاقة حادة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، مما وضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار إجهاد غير مسبوق هدد الأمن الغذائي في مناطق واسعة من العالم.
تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطاً داخلية متزايدة مع انخفاض شعبيته إلى الثلث بسبب ارتفاع أسعار الوقود، مما دفع واشنطن للبحث عن مخرج دبلوماسي. وتؤكد مصادر أن هناك اتصالات مكثفة تجري حالياً للتوصل إلى اتفاق مبادئ ينهي ما وصفه مسؤولون أمريكيون بـ 'حرب الغضب الملحمي' التي حققت أهدافها العسكرية الأولية.
تطالب طهران في أي مفاوضات مقبلة برفع كامل للعقوبات المفروضة منذ عام 2018، والحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية، بالإضافة إلى ضمانات أمنية ملزمة. وفي المقابل، تصر تل أبيب على تفكيك القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية بشكل نهائي، مما يخلق فجوة واسعة في شروط التفاوض بين الطرفين.
يشير سيناريو 'حرب الاستنزاف طويلة الأمد' إلى أنه الأكثر ترجيحاً بنسبة تصل إلى 45%، حيث يراهن كل طرف على صموده الاقتصادي والعسكري مقابل تآكل قدرات الخصم. وتعتمد استراتيجية إيران في هذا السياق على المقاومة المطولة، مستغلة الضغط الاقتصادي العالمي والتململ السياسي داخل الولايات المتحدة وإسرائيل.
حذر محللون من سيناريو 'التصعيد النووي' الذي قد يدفع دولاً إقليمية أخرى مثل السعودية وتركيا للسعي لامتلاك سلاح نووي، مما سيغير النظام النووي العالمي بالكامل. هذا التحول سيحول الشرق الأوسط من منطقة تضم قوة نووية واحدة غير معلنة إلى ساحة لسباق تسلح نووي علني ينهي مفاهيم الردع التقليدية.
برز الدور الروسي والصيني كعامل حاسم في استدامة القدرة الإيرانية على المواجهة، من خلال تزويد طهران بأنظمة دفاع جوي متطورة وتكنولوجيا حرب إلكترونية. كما تعمل بكين كشريان حياة اقتصادي عبر شراء الطاقة ونقل التكنولوجيا، مما يسمح لإيران بمواصلة استراتيجية الاستنزاف دون الانهيار تحت وطأة العقوبات الغربية.
يبقى مضيق هرمز الورقة الأقوى في يد طهران، حيث أن استمرار إغلاقه لأكثر من تسعين يوماً قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود شامل لا تستطيع القوى الكبرى تحمله. وتتجه التوقعات نحو 'فتح جزئي بحكم الأمر الواقع' للمضيق، عبر ترتيبات عملية تضمن مرور السفن التجارية دون التوصل إلى اتفاق سياسي رسمي وشامل.
تؤكد القراءة الاستراتيجية أن أي حل يتجاهل القضية الفلسطينية سيظل حلاً مؤقتاً، كونها السبب البنيوي الأعمق الذي يغذي الدعم الشعبي والسياسي لمحور المقاومة. فالتشريد المستمر وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم يوفر بيئة خصبة لنمو حركات المقاومة، مما يجعل استخدامها كأداة استراتيجية أمراً متاحاً دائماً للقوى الإقليمية.
تعاني إسرائيل من عزلة دبلوماسية متزايدة رغم إنجازاتها العسكرية، حيث يرى قادة أمنيون سابقون أن غياب الأفق السياسي يهدد أمن الدولة العبرية على المدى البعيد. فالدمار الذي لحق بقطاع غزة عمق الكراهية الإقليمية، وجعل من الصعب ترجمة الانتصارات الميدانية إلى استقرار سياسي مستدام في المنطقة.
في الختام، يبدو أن صراع عامي 2025 و2026 يشبه في سماته الهيكلية حروباً تاريخية مثل الحرب الكورية، حيث تستمر العمليات العسكرية لغياب آلية تحويل الواقع الميداني إلى تسوية. ويبقى الرهان على مدى قدرة المؤسسات الدولية والتحالفات التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية على الصمود أمام هذا الاختبار القاسي.
المصدر:
القدس