عقد رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اجتماعاً رسمياً في مكتبه بمدينة القدس المحتلة يوم الثلاثاء، مع نيكولاي ملادينوف، الذي يشغل منصب المدير العام لما يعرف بـ 'مجلس السلام'. ويأتي هذا اللقاء في توقيت حساس تزداد فيه التكهنات حول مستقبل التهدئة في قطاع غزة والمسارات السياسية المطروحة دولياً.
وشارك في المباحثات فريق ملادينوف التقني إلى جانب حضور بارز للسفير الأمريكي لدى تل أبيب، مايك هاكابي، مما يعكس انخراطاً واشنطن المباشر في هذه التحركات. وتركزت النقاشات حول آليات تطبيق الرؤية الأمريكية التي طرحها الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الصراع، والتي تتضمن بنوداً مثيرة للجدل حول مستقبل القطاع.
وعقب اللقاء، وصف ملادينوف المباحثات بأنها كانت إيجابية ومثمرة للغاية، مشيراً عبر منصة 'إكس' إلى أن التركيز انصب على رسم المسار المستقبلي للمنطقة. وأوضح أن جميع الأطراف المشاركة جددت التزامها الكامل ببنود خطة ترامب الشاملة المكونة من عشرين نقطة أساسية لإعادة صياغة الواقع الأمني والسياسي.
وأكد المبعوث الدولي أن العمل جارٍ حالياً مع كافة الأطراف المعنية لتحويل هذه الالتزامات النظرية إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع. وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب اتخاذ قرارات حاسمة وشجاعة من أجل تحقيق تقدم حقيقي يضمن ما وصفه بمستقبل أفضل للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر إعلامية عبرية عن توجه داخل المجلس الوزاري الأمني المصغر 'الكابينت' لبحث إمكانية العودة إلى خيار العمل العسكري الواسع في قطاع غزة. وتدعي سلطات الاحتلال أن هذا التوجه يأتي رداً على ما تصفه بعدم التزام حركة حماس ببنود اتفاق نزع السلاح المتفق عليه ضمن التفاهمات الأخيرة.
وأشارت تقارير صادرة عن هيئة البث الإسرائيلية إلى أن الاتصالات مع الوسطاء الإقليميين لا تزال مستمرة، إلا أن الفجوات تبدو واسعة بين الطرفين. ويأتي هذا التصعيد الكلامي في وقت تحذر فيه أوساط سياسية من خطورة انهيار حالة الهدوء الهشة التي سادت خلال الفترة الماضية.
ويربط مراقبون بين التلويح الإسرائيلي بالحرب وبين حسابات سياسية داخلية مع اقتراب موعد الانتخابات في دولة الاحتلال. وكان محللون عسكريون قد حذروا في وقت سابق من أن الحكومة قد تلجأ لشن عدوان جديد على غزة لتحقيق مكاسب انتخابية وترميم صورتها أمام الجمهور الإسرائيلي.
من جانبها، ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن وصول ملادينوف إلى تل أبيب جاء بشكل عاجل ليل الأحد، وذلك في أعقاب ما وصفته بانهيار المحادثات غير المباشرة في القاهرة. وادعت المصادر العبرية أن المبعوث الدولي يسعى لإنقاذ الموقف ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة عسكرية شاملة لا يرغب بها المجتمع الدولي.
ومن المتوقع أن يلتقي ملادينوف خلال زيارته الحالية بكبار قادة المؤسسة الأمنية والعسكرية في إسرائيل لتقييم الموقف الميداني. وسيحمل المبعوث في جعبته مطالب بضرورة تسهيل دخول المساعدات الإنسانية العاجلة لسكان القطاع الذين يعانون من ظروف معيشية كارثية جراء الحصار المستمر.
كما سيضغط ملادينوف باتجاه خفض حدة العمليات العسكرية الموضعية التي ينفذها جيش الاحتلال، محذراً من أن استمرار التصعيد سيقوض فرص نجاح خطة السلام الأمريكية. وتسعى الأطراف الدولية لتثبيت ركائز التهدئة عبر تقديم إغراءات اقتصادية مقابل تنازلات أمنية من الفصائل الفلسطينية.
وفي المقابل، تنقل تقارير عن مصادر مقربة من حركة حماس رفضها القاطع لأي حديث يتناول نزع سلاح المقاومة، معتبرة ذلك خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. وتشدد الحركة على أن سلاحها هو الضمانة الوحيدة لحماية الشعب الفلسطيني في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
وتتهم المقاومة الفلسطينية الجانب الإسرائيلي بالتنصل من التزاماته السابقة، خاصة فيما يتعلق بفتح المعابر وزيادة عدد شاحنات المساعدات الإنسانية. وتؤكد المصادر أن البطء الشديد في تنفيذ إجراءات كسر الحصار هو السبب الرئيس وراء حالة التوتر الراهنة التي تهدد بانهيار التفاهمات.
ويرى خبراء أن لقاء نتنياهو وملادينوف يمثل محاولة أخيرة لتسويق 'خطة ترامب' كبديل عن الانفجار العسكري الوشيك. ومع ذلك، تظل العقبات الميدانية والسياسية كبيرة، خاصة مع إصرار حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل على فرض شروط أمنية تعجيزية ترفضها كافة القوى الفلسطينية.
ويبقى المشهد في قطاع غزة مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بين مسار دبلوماسي متعثر تقوده واشنطن عبر 'مجلس السلام'، وبين طبول حرب تقرعها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وتترقب الأوساط الشعبية في القطاع نتائج هذه التحركات الدولية بحذر شديد، وسط مخاوف من تجدد المعاناة الإنسانية.
المصدر:
القدس