آخر الأخبار

الضفة الغربية: اعترافات إسرائيلية بالقتل المفتوح وإرهاب المس

شارك

كشفت تقارير صحفية عبرية استناداً إلى تصريحات داخلية لمسؤولين عسكريين أن الضفة الغربية المحتلة تجاوزت مرحلة التوتر الأمني التقليدي لتصبح ساحة لتطبيق نموذج جديد من السيطرة المطلقة. وتتقاطع في هذا الواقع ثلاثة مسارات خطيرة تشمل تساهل أوامر إطلاق النار تجاه الفلسطينيين، والتهاون القضائي مع إرهاب المستوطنين، بالتوازي مع سياسة خنق اقتصادي ممنهجة تستهدف تقويض السلطة الفلسطينية.

وفي اعتراف نادر يعكس عمق التمييز العنصري، أقر اللواء آفي بالوط، قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، بوجود معايير مزدوجة في التعامل مع راشقي الحجارة بناءً على هويتهم القومية. وأوضح بالوط أن جيشه يتردد في إطلاق النار على المستوطنين بسبب ما وصفها بـ 'التداعيات الاجتماعية الخطيرة'، بينما يتم التعامل مع الفلسطينيين كأهداف عسكرية فورية.

وتشير المعطيات المسربة إلى أن معيار الخطر في الضفة الغربية لم يعد مرتبطاً بالفعل المرتكب، بل بهوية الفاعل؛ فالفلسطيني الذي يرشق حجراً قد يواجه الموت برصاص الجنود. في المقابل، يتم التعامل مع اعتداءات المستوطنين ضمن حسابات سياسية واجتماعية معقدة تضمن لهم الحماية والإفلات من العقاب في أغلب الأحيان.

وكشف القائد العسكري عن تعليمات صارمة تُنفذ قرب مناطق التماس، حيث يُسمح للجنود بإطلاق النار على الفلسطينيين المشتبه بهم وإصابتهم في الأطراف السفلية. وتباهى بالوط بوجود ما وصفها بـ 'النصب التذكارية' للعمال الفلسطينيين الذين حاولوا التسلل للعمل داخل الخط الأخضر وأطلق الجنود النار عليهم، معتبراً ذلك رادعاً ميدانياً.

وبلغت الاعترافات ذروتها بتصريح بالوط الذي أكد فيه أن معدلات القتل في الضفة الغربية وصلت إلى مستويات لم تشهدها المنطقة منذ عام 1967. وأشار إلى أن الجيش قتل نحو 1500 فلسطيني خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مدعياً أن نسبة ضئيلة جداً منهم كانوا من 'الأبرياء'، في محاولة لتبرير التوسع في استخدام القوة المميتة.

وفي سياق متصل، أظهرت التقارير أن عام 2025 شهد وحده مقتل 42 فلسطينياً برصاص الاحتلال بذريعة رشق الحجارة على الطرق الاستيطانية. وتحول رشق الحجارة من فعل احتجاجي شعبي إلى مبرر قانوني وعسكري للقتل الاستباقي، مما يجعل الضفة ساحة مفتوحة للاستهداف الدائم دون الحاجة لغطاء سياسي أو قانوني.

وعلى صعيد إرهاب المستوطنين، نقلت مصادر إعلامية عن بالوط وصفه لاعتداءاتهم بـ 'الإرهاب اليهودي'، خاصة بعد حرق ثلاث قرى فلسطينية لثلاث ليالٍ متتالية. ورغم فداحة هذه الجرائم التي شملت حرق منازل ومركبات، إلا أن سلطات الاحتلال لم تعتقل سوى عدد محدود جداً من المشاركين، وأطلقت سراحهم بضمانات هزيلة.

نقتل كما لم نقتل منذ عام 1967؛ الضفة الغربية لم تعد مجرد ساحة توتر بل أصبحت مختبراً لتحول أعمق في بنية السيطرة الإسرائيلية.

ويتعزز هذا المأزق الأمني والقضائي بقرارات سياسية اتخذها وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي أوقف استخدام الاعتقال الإداري ضد المستوطنين المتورطين في أعمال عنف. هذا القرار قيد بشكل كبير أدوات الأجهزة الأمنية في التعامل مع المجموعات الاستيطانية المتطرفة، مما منحها ضوءاً أخضر للاستمرار في اعتداءاتها الممنهجة ضد القرى الفلسطينية.

ولم يقتصر التواطؤ العسكري على غض الطرف عن العنف، بل امتد ليشمل دعم التوسع الاستيطاني الميداني عبر إنشاء 150 مزرعة استيطانية بالتنسيق مع الجيش. واعتبر القادة العسكريون أن هذه المزارع تمثل أداة استراتيجية لمنع ما وصفوه بـ 'البناء الفلسطيني غير القانوني' في المناطق المصنفة (ج)، مما يكرس واقع الضم الزاحف.

اقتصادياً، تواصل سلطات الاحتلال سياسة الخنق المالي عبر احتجاز مبالغ ضخمة من أموال المقاصة الفلسطينية تقدر بنحو 14 مليار شيكل. وتتزايد هذه المبالغ المصادرة بمعدل 400 مليون شيكل شهرياً، مما يضع السلطة الفلسطينية أمام أزمة سيولة خانقة تهدد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين.

وأدت هذه السياسات المالية، بالإضافة إلى منع آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، إلى تدهور حاد في الأوضاع المعيشية بالضفة الغربية. فمنذ أكتوبر 2023، انخفض عدد العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل بشكل حاد، مما حرم الاقتصاد الفلسطيني من تدفقات نقدية كانت تتجاوز المليار شيكل شهرياً.

وتشير بيانات دولية إلى أن الضغوط الاقتصادية دفعت العمال للمخاطرة بحياتهم عبر طرق تهريب وعرة، مما أدى لسقوط عشرات القتلى والجرحى برصاص الاحتلال. وتلتقي هنا السياسة المالية مع الأوامر العسكرية لتخلق بيئة طاردة وقاتلة للفلسطينيين، حيث يصبح البحث عن لقمة العيش مغامرة قد تنتهي بالموت.

من جانبهم، يرى محللون إسرائيليون أن ما يحدث في الضفة هو 'مشروع حسم' يسعى لتغيير وجه المنطقة بشكل جذري ونهائي بعيداً عن الأضواء. هذا المشروع الذي يقوده اليمين الديني القومي، يهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة وتحويل الصدمات السياسية إلى فرص لتهجير الفلسطينيين أو إخضاعهم لواقع جديد.

وتخلص التقارير إلى أن إسرائيل لم تعد تدير الضفة الغربية بمنطق أمني مؤقت، بل وفق رؤية شاملة تعيد تشكيل العلاقة مع الأرض والسكان. وفي هذا الإطار، يُعامل الفلسطيني كتهديد دائم يجب تحييده، بينما يُنظر للمستوطن العنيف كجزء من النسيج الاجتماعي الذي يجب احتواؤه، مما يضع المنطقة برمتها أمام انفجار وشيك.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا