آخر الأخبار

القنابل الذكية والذكاء الاصطناعي: هل الحرب أصبحت أنظف؟

شارك

لم يعد مصطلح 'القنابل الذكية' مجرد وصف تقني لنوع من الذخائر العسكرية، بل تحول إلى ركيزة أساسية في صياغة السرديات السياسية التي تبرر النزاعات المسلحة الحديثة. تعتمد هذه الأسلحة على أنظمة توجيه متطورة تشمل الليزر والأقمار الصناعية، مما يمنحها القدرة على تعديل مسارها أثناء السقوط لإصابة أهداف محددة بدقة عالية مقارنة بالقنابل التقليدية.

إن الجوهر الحقيقي لهذا 'الذكاء' يكمن في وجود نظام توجيه تقني لا في امتلاك السلاح وعياً مستقلاً، حيث تظل الدقة محصورة في إصابة الإحداثيات الجغرافية فقط. ومع ذلك، يتم استغلال هذا التطور التقني لتقديم وعود أخلاقية ضمنية توحي بأن الحروب أصبحت 'أنظف' وأقل إيذاءً للمدنيين، وهو ما يتناقض غالباً مع الواقع الميداني.

تاريخياً، لم تظهر هذه التقنيات في التسعينيات كما يشاع، بل تعود جذورها إلى محاولات مبكرة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وصولاً إلى الاختبارات الميدانية في فيتنام. وبحسب مصادر عسكرية، فإن مجموعات التوجيه الليزري جعلت القنابل التقليدية أكثر فاعلية بمئة مرة، مما قلل عدد الطلعات الجوية المطلوبة لتدمير الأهداف المحصنة.

شكلت حرب الخليج عام 1991 لحظة الولادة الرمزية لهذه الأسلحة في الوعي الجمعي، حيث بثت شاشات التلفزة لقطات حية للصواريخ وهي تخترق النوافذ بدقة متناهية. هذه الصور ساهمت في بناء أسطورة 'الحرب الجراحية'، رغم أن تقارير حقوقية أكدت لاحقاً أن الأسلحة الدقيقة كانت جزءاً محدوداً من ترسانة شهدت قصفاً عشوائياً واسعاً.

في غزو العراق عام 2003، ارتفعت نسبة الاعتماد على الذخائر الموجهة لتصل إلى 68%، ومع ذلك ظلت الأضرار الجانبية والوفيات بين المدنيين في مستويات كارثية. وتكشف هذه الفجوة أن 'الذكاء' العسكري يركز على المرحلة الأخيرة من الاستهداف، متجاهلاً جودة المعلومات الاستخباراتية أو مشروعية اختيار الهدف من الأساس.

انتقلت فلسفة الحرب الجوية مع إدخال مجموعات (JDAM) التي تعتمد على الأقمار الصناعية، مما أتاح تنفيذ ضربات دقيقة في كافة الأحوال الجوية وعلى مدار الساعة. هذا التحول التقني منح الجيوش خطاباً سياسياً قوياً يركز على كفاءة السلاح بدلاً من مساءلة جدوى الحرب أو أخلاقيتها، مما يحول الكارثة البشرية إلى مسألة إدارة تقنية.

في العقد الأخير، دخل الذكاء الاصطناعي قلب المعادلة العسكرية، خاصة في العمليات العسكرية المستمرة في قطاع غزة، حيث يتم توليد قوائم الأهداف عبر خوارزميات معقدة. نظام مثل 'Lavender' يقوم بتحليل البيانات والأنماط السلوكية لتصنيف الأفراد، مما يقلص دور العنصر البشري في اتخاذ قرار القتل ويجعله رهينة للاحتمالات الإحصائية.

الدقة التقنية لا تعني بالضرورة دقة القرار أو مشروعية الهدف؛ فالذكاء العسكري يركز على إصابة الإحداثيات بينما يغفل غالباً عن هوية من يسكن داخلها.

تشير التحقيقات الصحفية إلى أن استخدام الخوارزميات في غزة أدى إلى قبول هوامش خطأ مرتفعة وتحديد مسبق لنسب الخسائر المدنية 'المقبولة'. هذا المنطق يحول المدنيين من ضحايا يجب حمايتهم إلى أرقام ضمن معادلة احتمالية، حيث يتم دمج دمار الحيوات البشرية في عملية اتخاذ القرار الرقمي بشكل آلي.

وفي لبنان، وثقت مصادر حقوقية استخدام قنابل مزودة بأطقم توجيه دقيقة في هجمات استهدفت صحفيين في مناطق خالية من النشاط العسكري، كما حدث في حاصبيا. هذه الحوادث تثبت أن دقة السلاح لا تمنع استخدامه المتعمد ضد أهداف غير مشروعة، مما يسقط ورقة التوت عن ادعاءات 'الحرص على المدنيين'.

تؤدي الصور والفيديوهات التي تعرضها الجيوش دوراً حاسماً في إدارة الإدراك العام، حيث تُظهر نجاح الإصابة وتخفي في الوقت ذاته أثر الدمار البشري. المشاهد يرى انفجاراً نظيفاً على الشاشة، ولا يرى الأجساد الممزقة أو العائلات التي سحقت تحت الركام، مما يخلق مسافة مريحة تمنع التعاطف الإنساني مع الضحايا.

إن الخطورة الكبرى للقنابل الذكية تكمن في قدرتها على إطالة أمد الحروب بجعلها أكثر 'قابلية للتسويق' أمام الرأي العام العالمي. عندما تبدو الحرب 'نظيفة' ومسيطر عليها تقنياً، يقل الضغط السياسي على صانعي القرار لوقف القتال، وتتحول المأساة المستمرة إلى خبر تقني روتيني يفتقر إلى الصدمة الأخلاقية.

تجارب الناتو في كوسوفو عام 1999 أظهرت أيضاً حدود هذه التقنية، حيث سقط مئات القتلى المدنيين في ضربات وصفت بأنها 'جراحية'. الواقع الميداني يثبت باستمرار أن القصف في المناطق المأهولة بالسكان لا يمكن أن يكون آمناً مهما بلغت درجة تطور أنظمة التوجيه أو جودة الأقمار الصناعية المستخدمة.

في نهاية المطاف، تظل القنبلة الذكية أداة لإنتاج سردية متكاملة تشمل الشاشة والخريطة والبيان العسكري المحايد، بينما يختفي الإنسان من هذه اللغة تماماً. إنها تمثل لحظة التقاء التكنولوجيا بالعنف، حيث تصبح القدرة على تبرير القتل موازية في أهميتها للقدرة على تنفيذه، مما يعزز هيمنة الآلة على حساب الأخلاق.

يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل تقلل هذه الدقة من العنف أم أنها مجرد وسيلة لإخفاء فجاجته وتسهيل استمراره؟ إن تتبع تاريخ هذه الأسلحة من فيتنام إلى غزة يؤكد أن التكنولوجيا لم تهذب الحرب، بل غيرت لغتها وصورتها لتصبح أكثر قبولاً في عالم يقدس الكفاءة التقنية على حساب القيمة البشرية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا