آخر الأخبار

ترمب يعلن انتهاء الحرب مع إيران: مناورة سياسية أم استراتيجية

شارك



د. رائد أبو بدوية: هذه المرحلة تعكس معادلة "إدارة التوتر" بدلاً من حسمه ما يجعل إعلان إنهاء الحرب أقرب إلى أداة لإعادة هندسة الصراع لا لإغلاقه
د. عبد المجيد سويلم: خطاب ترمب يتيح مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران بتسميات مختلفة دون الحاجة لأذونات قانونية داخلية جديدة
د. حسين الديك: قانون صلاحيات الحرب يتيح للرئيس تنفيذ عمليات عسكرية لمدة 60 يوماً دون تفويض وإعلان ترمب يحمل طابعاً تكتيكياً أكثر منه استراتيجياً
د. رهام عودة: ترمب قد يتجنب استخدام مصطلح "الحرب" بشأن الملف الإيراني لتفادي الحاجة لموافقة الكونغرس واستبداله بتوصيفات أقل التزاماً قانونياً
د. أمجد بشكار: وقف العمليات العسكرية قد يعني إنهاء المواجهة العسكرية المباشرة على الأراضي الإيرانية مقابل استمرار أشكال أخرى من الضغط
د. سهيل دياب: خطاب ترمب لا يعكس تحولاً جوهرياً بالسياسة الأمريكية بقدر ما يشكّل مناورة مدروسة تُدار بمستويات قانونية وسياسية واقتصادية متداخلة


رام الله - خاص بـ"القدس"-

تعكس تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن إخطار الكونغرس إنهاء الحرب مع إيران توجهاً يقوم على إعادة تعريف الصراع بدلاً من إنهائه فعلياً، عبر خطاب سياسي يمنح واشنطن مرونة أوسع في الحركة والتنصل القانوني الداخلي لمواصلة الحرب على إيران بطرق مختلفة.
ويؤى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن اختيار مصطلحات بديلة عن "الحرب" يتيح استمرار العمليات العسكرية بشكل غير مباشر ضد إيران، ويخفف القيود القانونية المرتبطة بالحصول على تفويض رسمي من الكونغرس.
ويكشف هذا الخطاب لترمب وإدارته بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، عن أبعاد متداخلة، تبدأ من الداخل الأمريكي حيث تسعى إدارة ترمب إلى تهدئة الانتقادات وتقديم إنجاز سياسي، ولا تنتهي عند الساحة الدولية، إذ يحمل الإعلان رسائل طمأنة للأسواق العالمية، خصوصاً في ظل حساسية قطاع الطاقة، كما يعكس حرصاً على تثبيت معادلة ردع دون الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تكون مكلفة سياسياً واقتصادياً.
ووفق الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، فإنه في المقابل، توحي هذه المقاربة بأن المرحلة المقبلة ستقوم على إدارة الصراع لا حسمه، من خلال مزيج من الضغط العسكري المحدود والعقوبات والتحركات غير المباشرة، ما يبقي الصراع قائماً ضمن سقف محسوب، ويؤسس لحالة مستمرة من "التهدئة الهشة" القابلة للتصعيد في أي وقت.


تحول في اللغة السياسية

يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، د. رائد أبو بدوية، أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انتهاء الحرب مع إيران لا يعكس تحولاً حقيقياً في طبيعة الصراع، بقدر ما يمثل تحولاً في اللغة السياسية وآليات إدارته، مشيراً إلى أن ما جرى هو "إعادة صياغة" للمشهد وليس إنهاءً فعلياً له.
ويوضح أبو بدوية أن استخدام تعبير "توقف العمليات القتالية" بدلاً من إعلان حرب أو نهايتها يمنح الإدارة الأمريكية هامشاً قانونياً وسياسياً أوسع، ويخفف من الضغوط المرتبطة بقانون "صلاحيات الحرب"، كما يقلل الحاجة إلى مواجهة مباشرة مع الكونغرس بشأن تفويض العمليات العسكرية واستمرارها.
ويشير أبو بدوية إلى أن هذه الصياغة تبقي القرار الأمني ضمن نطاق السلطة التنفيذية، دون الانخراط في مسار تصادمي مع المؤسسة التشريعية.

رواية "الانتصار المُدار"

ويشير أبو بدوية إلى أن ترمب يسعى إلى بناء رواية "الانتصار المُدار"، أي إنهاء المواجهة دون التورط في حرب شاملة، مع الحفاظ على صورة القيادة القادرة على فرض الردع وإجبار الخصم على التراجع.
ويلفت أبو بدوية إلى أن هذا التوجه يحقق أيضاً مكاسب قانونية، عبر تخفيف القيود الزمنية والإجرائية التي تفرضها التشريعات الأمريكية على العمليات العسكرية طويلة الأمد.

تهدئة أسواق الطاقة العالمية

اقتصادياً، يعتبر أبو بدوية أن توقيت الإعلان لا يقل أهمية عن مضمونه، إذ يهدف إلى تهدئة أسواق الطاقة العالمية التي تأثرت بمستويات التصعيد، وإرسال إشارات استقرار إلى أسواق النفط والملاحة الدولية، بما يحد من مخاطر ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد.
أما خارجياً، فيلفت أبو بدوية إلى أن واشنطن لا تسعى إلى إنهاء الصراع بقدر ما تعمل على "إعادة ضبطه"، من خلال تثبيت الردع الأمريكي، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة، مع إبقاء إيران ضمن إطار "الاحتواء المستمر" عبر أدوات غير مباشرة، تشمل العقوبات الاقتصادية، والحصار البحري، وإدارة النفوذ الإقليمي.

مرحلة "تهدئة مضبوطة"

وفي قراءته للسيناريو الأرجح، يرى أبو بدوية أن المنطقة تتجه نحو مرحلة "تهدئة مضبوطة" أو "سلام غير مكتمل"، حيث يتراجع القتال المباشر دون أن يختفي الصراع.
ويعتقد أبو بدوية أن المواجهة ستستمر بأشكال أخرى، مثل الردع المتبادل القائم على التهديد، والعقوبات الاقتصادية، والهجمات السيبرانية غير المعلنة، إضافة إلى صراعات النفوذ التي تُدار عبر أطراف إقليمية ووكلاء في عدة ساحات.
ويشير أبو بدوية إلى أن هذه المرحلة تعكس معادلة "إدارة التوتر" بدلاً من حسمه، حيث لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل حالة هشة قابلة للاشتعال في أي لحظة، لكنها تبقى مضبوطة بما يكفي لمنع انفجار واسع، ما يجعل إعلان إنهاء الحرب أقرب إلى أداة لإعادة هندسة الصراع لا لإغلاقه.

مواصلة الحرب بالتهرب من التفويض

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن وقف الحرب تمثل حالة التفاف واضحة أكثر من كونها تحولاً حقيقياً في مسار الصراع، موضحاً أن هذا الخطاب يتيح للإدارة الأمريكية مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران تحت تسميات مختلفة دون الحاجة إلى أذونات قانونية داخلية جديدة.
ويوضح سويلم أن إعلان وقف الحرب يفتح المجال أمام واشنطن للقيام بعمليات عسكرية لاحقة تحت مسمى "عملية عسكرية" لا تتطلب تفويضاً جديداً، كما يمكن اعتبار أي ضربة لاحقة جزءاً من مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، خصوصاً إذا لم تكن مدة الستين يوماً قد استُكملت منذ تاريخ الإعلان، وهو ما يخلق مساحة للتلاعب القانوني والسياسي.
ويؤكد سويلم أن ما يجري يتجاوز الإطار القانوني ليصل إلى "تلاعب واسع" يشمل الكونغرس والمجتمع الأمريكي والأسواق العالمية، معتبراً أن الإدارة الأمريكية تستثمر حالة التصعيد والتهدئة المتناوبة لتحقيق مكاسب، حيث تؤدي تصريحات التهدئة إلى استقرار الأسواق بما يتيح فرص شراء، فيما تؤدي التصريحات المتشددة إلى موجات بيع يستفيد منها المقربون من دوائر القرار.

أزمة عميقة داخل الإدارة الأمريكية

ويشير سويلم إلى أن هذه السياسة تعكس أزمة أعمق داخل الإدارة الأمريكية، سواء على مستوى الاقتصاد أو العجز عن حسم الملفات الدولية، معتبراً أن ترمب ينتقل من معركة إلى أخرى دون استراتيجية واضحة، في محاولة لإدارة الأزمات لا حلها.
ويلفت سويلم إلى أن هذا السلوك يهدف أيضاً إلى إبقاء الإدارة في دائرة الضوء الإعلامي، والحفاظ على القدرة على التأثير في الأسواق العالمية.
ويرى سويلم أن الأداء الأمريكي يعكس حالة تخبط تشمل الجوانب السياسية والعسكرية، في ظل تحديات تتعلق بالجاهزية العسكرية، مثل نقص الذخائر وتأخر تسليم صفقات السلاح، ما يحد من قدرة الولايات المتحدة على خوض حروب طويلة الأمد وفق متطلبات الحروب الحديثة.

التلاعب والمناورة

وعلى الصعيد الإقليمي، يحذر سويلم من أن أي مغامرة ولو صغيرة قد تنعكس سلباً على استقرار الخليج ومصالحه النفطية، رغم الخطاب الأمريكي الذي يظهر حرصاً على حلفائه.
ويعتبر سويلم أن السياسة الأمريكية تقوم على التلاعب والمناورة دون مشروع استراتيجي واضح لإعادة بناء الدور الأمريكي، بل في سياق محاولة احتواء التراجع التدريجي في مكانة الولايات المتحدة.

استبعاد خيار الحرب الطويلة

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المرتقبة، يرجّح سويلم استبعاد خيار الحرب الطويلة، سواء لأسباب عسكرية أو دستورية، مؤكداً أن السيناريو الأقرب يتمثل في تنفيذ ضربة عسكرية خاطفة وسريعة، شريطة ضمان عدم استدراج رد إيراني شامل.
ويوضح سويلم أنه في حال وجود تقديرات بأن أي ضربة قد تؤدي إلى حرب واسعة، فإن واشنطن ستتجنب هذا الخيار، وتتجه بدلاً من ذلك إلى تشديد الحصار والدخول في مساومات، مثل تخفيف القيود مقابل ترتيبات جزئية في مضيق هرمز.

الموقف الإيراني الثابت

ويؤكد سويلم أن الحصار، رغم تأثيراته الاقتصادية، لن يؤدي إلى تغيير استراتيجي في الموقف الإيراني، مشيراً إلى قدرة طهران على التكيف مع الضغوط لفترات طويلة، ما يعني استمرار الصراع دون حسم، في ظل توازن قائم على الضغط والمواجهة غير المباشرة.

التهرب من الكلفة السياسية للحرب

يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د. حسين الديك أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وقف الحرب على إيران لا يعني بالضرورة توقف العمليات العسكرية، بل يندرج في إطار إعادة توصيف قانوني وسياسي للصراع، بما ينسجم مع طبيعة التجاذبات داخل النظام السياسي الأمريكي.
ويوضح الديك أن استخدام مصطلحات غير الحرب مثل "عمليات عسكرية"، أو "ضربات محدودة ودقيقة"، أو حتى "مكافحة الإرهاب"، يمنح الإدارة الأمريكية قدرة على مواصلة النشاط العسكري دون تحمّل الكلفة السياسية المرتبطة بإعلان الحرب رسمياً، خاصة أن الدستور الأمريكي يمنح صلاحية إعلان الحرب للكونغرس.

قانون صلاحيات الحرب

ويشير الديك إلى أن قانون صلاحيات الحرب الأمريكي يتيح للرئيس تنفيذ عمليات عسكرية لمدة 60 يوماً دون تفويض، على أن يوقفها أو يطلب تمديدها لمدة إضافية تصل إلى 30 يوماً.
ويرى الديك أن إعلان ترمب وقف العمليات العسكرية يحمل طابعاً تكتيكياً أكثر منه استراتيجياً، خاصة أن مسؤولين أمريكيين كانوا قد أشاروا سابقاً إلى توقف العمليات منذ أسابيع.

طمأنة الرأي العام الأمريكي

ويلفت الديك إلى أن هذا الإعلان يهدف إلى طمأنة الرأي العام الأمريكي، وإظهار تحقيق إنجاز سياسي، إضافة إلى تخفيف الضغوط داخل الكونغرس وعدم منح خصومه، خصوصاً الديمقراطيين، ورقة ضغط في ظل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ويؤكد الديك أن هذا الأسلوب يسمح لواشنطن بمواصلة بعض أشكال الضغط العسكري، مثل الحصار البحري، الذي يعتبره بعض خبراء القانون الدولي جزءاً من العمليات العسكرية، لكن تحت مسميات مختلفة تقلل من التبعات القانونية والسياسية.

حالة "اللاحرب واللاسلم"

وعلى صعيد السيناريوهات المحتملة، يرجّح الديك أن تتجه العلاقة بين واشنطن وطهران نحو "التصعيد المحسوب والتهدئة المؤقتة"، ضمن حالة "اللاحرب واللاسلم".
ويشير الديك إلى أن هذه الحالة قد تتجلى في ضربات غير مباشرة عبر الحلفاء والوكلاء، مثل دور إيران الإقليمي أو التحركات عبر إسرائيل، إضافة إلى هجمات سيبرانية واستخباراتية محدودة، واحتكاكات بحرية في الخليج العربي والمحيط الهندي، مع استمرار الحصار.

تفاهمات محدودة

ويلفت الديك إلى احتمال وجود سيناريو ثانٍ يتمثل في تفاهمات محدودة أو صفقة جزئية، تشمل فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف العقوبات، لكنه يعتبر هذا الخيار ضعيفاً ويرتبط بتوازنات داخلية معقدة في كل من واشنطن وطهران.

تصعيد إقليمي عبر الوكلاء

كما يطرح الديك، سيناريو ثالثاً يقوم على تصعيد إقليمي عبر الوكلاء، مع توسع المواجهة في ساحات مثل العراق ولبنان واليمن، ما قد يحول المنطقة إلى ساحة "حرب الظل"، حيث تُستهدف المصالح الأمريكية دون إعلان حرب مباشرة.
أما السيناريو الرابع، والمتعلق بمواجهة عسكرية مباشرة ومحدودة، فيعتبره الديك ضعيفاً أيضاً، مرجحاً أن يحدث فقط نتيجة خطأ في الحسابات أو تطورات مفاجئة، في ظل القيود السياسية والاقتصادية التي تواجه الطرفين.
ويرى الديك أن المشهد العام يتجه نحو إدارة الصراع لا حسمه، مع استمرار أدوات الضغط والتصعيد المحدود، ضمن معادلة دقيقة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها تُبقي التوتر قائماً.

تفادي الحاجة إلى موافقة الكونغرس

توضح الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد يتجنب استخدام مصطلح "الحرب" بشكل مباشر للتعامل مع الملف الإيراني، لتفادي الحاجة إلى موافقة الكونغرس، واستبداله بتوصيفات أقل التزاماً قانونياً مثل "عملية عسكرية جوية أو بحرية محدودة"، بما يتيح له هامشاً أوسع للتحرك العسكري دون الانخراط في عملية برية شاملة.
وترى عودة أن هذا النهج قد يترافق مع خطوات ميدانية، مثل إنشاء قواعد بحرية أمريكية مؤقتة بالقرب من مضيق هرمز، بما يعزز القدرة على فرض ضغط عسكري واقتصادي على إيران، خاصة في ظل حساسية المضيق الذي يمثل شرياناً حيوياً لتدفق الطاقة عالمياً.
وتشير عودة إلى أن أحد المسارات المحتملة يتمثل في "الحرب عبر الوكلاء"، عبر تكامل الأدوار بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يمكن أن يستمر الحصار البحري والاقتصادي على إيران، بالتوازي مع منح تل أبيب ضوءاً أخضر لتنفيذ ضربات جوية متقطعة ضد أهداف إيرانية، في حال لم تستجب طهران للضغوط المفروضة عليها.

استمرار الحصار البحري والاقتصادي

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المرتقبة، تعرض عودة مسارين رئيسيين؛ الأول يقوم على استمرار الحصار البحري والاقتصادي إلى حين فتح مضيق هرمز بشكل كامل، وقبول القيادة الإيرانية بالتراجع عن مشروع تخصيب اليورانيوم، وتسليم "الغبار النووي" إلى جهات دولية، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو الولايات المتحدة ذاتها أو وسطاء دوليين.

الرفض الإيراني

أما السيناريو الثاني، وفق عودة، فيفترض رفض إيران لهذه الضغوط واستمرارها في برنامج التخصيب، إلى جانب دفع حلفائها، وعلى رأسهم حزب الله، لتكثيف الهجمات الصاروخية ضد إسرائيل.
ووفق عودة، قد يقود ذلك إلى أحد خيارين: إما تنفيذ عملية عسكرية جوية محدودة ومشتركة بين واشنطن وتل أبيب تستهدف منشآت حيوية، خاصة في قطاع الطاقة الإيراني، مع استمرار الحصار البحري، أو منح إسرائيل تفويضاً لتنفيذ ضربات "جراحية" متقطعة نيابة عن الولايات المتحدة حتى نهاية العام.
وتشير عودة إلى أن الهدف النهائي لهذه السيناريوهات يتمثل في تشديد الحصار الاقتصادي والعسكري على إيران، وصولاً إلى تليين موقفها ودفعها للقبول بالشروط الأمريكية والإسرائيلية المتعلقة ببرنامجها النووي.

تصريحات ترمب المتناقضة

يعتبر أستاذ العلوم السياسية د.أمجد بشكار أن التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم تعد تشكّل مرجعاً يمكن البناء عليه حرفياً في تحليل مسار الأحداث، مشيراً إلى أن التباين بين خطاب ترمب والواقع الميداني، إضافة إلى تغير مواقفه عبر منصات التواصل الاجتماعي، جعل من الصعب حتى على المحللين السياسيين فهم ديناميكيات العمل السياسي والعسكري المرتبط بإدارته.
ويوضح بشكار أن مقاربة ترمب لا يمكن قراءتها بشكل مباشر، بل يجب التعامل معها عبر مؤشرات ومعطيات أوسع، لافتاً إلى أن تركيبة الإدارة الأمريكية الحالية "غير تقليدية" وخرجت عن الأعراف الدبلوماسية والسياسية المعروفة، ما انعكس على طبيعة القرارات والخطاب السياسي على حد سواء.
وفيما يتعلق باستخدام مصطلحات بديلة مثل "العمليات العسكرية" أو غيرها في خطاب ترمب، يرى بشكار أن هذا التوجه يندرج ضمن محاولة للالتفاف على توصيفات محددة، لكنه في الوقت ذاته يعكس نمط التفكير الخاص بترمب، الذي لا يزال غير مفهوم بالكامل، حيث يمتد هذا الغموض إلى طبيعة الأداء السياسي والعسكري.

وقف الضربات المباشرة

ويشير بشكار إلى أن الحديث عن "وقف العمليات العسكرية" قد لا يعني بالضرورة إنهاء المواجهة، بل ربما يشير إلى وقف الضربات المباشرة، مثل القصف الجوي الأمريكي–الإسرائيلي على الأراضي الإيرانية، مقابل استمرار أشكال أخرى من الضغط، كفرض حصار على الموانئ الإيرانية.

المنطقة مقبلة على مرحلة طويلة من التوتر

وعن السيناريوهات المرتقبة، يتوقع بشكار أن المنطقة مقبلة على مرحلة طويلة من التوتر العسكري بين إسرائيل وإيران، قد تمتد لأشهر قبل الوصول إلى نتائج واضحة.
ويلفت بشكار إلى احتمال أن تتطور الأحداث نحو ضربة عسكرية أمريكية لاحقة، يعقبها حديث عن إضعاف أو إنهاء القدرات العسكرية الإيرانية.

سيناريوهات مفاجئة

وفي المقابل، يحذر من سيناريوهات مفاجئة قد تتغير بشكل مفاجئ، بما في ذلك احتمال تنفيذ هجمات جديدة ضمن تحالف أمريكي–إسرائيلي.
ويعتقد بشكار أن إسرائيل غير معنية بوقف التصعيد، وقد لا تقبل بإنهاء "الضربة القاصمة" ضد إيران.
ويرى بشكار أن فرص التوصل إلى اتفاق أمريكي–إيراني تبدو بعيدة في المرحلة الراهنة، في ظل الفجوة الكبيرة بين المطالب الأمريكية وما يمكن أن تقبله طهران.

مناورة مدروسة متعددة الأهداف

يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وقف الحرب مع إيران لا يعكس تحولاً جوهرياً في السياسة الأمريكية بقدر ما يشكّل "مناورة مدروسة متعددة الأهداف" تُدار في مستويات قانونية وسياسية واقتصادية متداخلة.
ويوضح دياب أن الهدف الأول من هذا الإعلان يتمثل في الالتفاف القانوني على القيود الزمنية التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب، خصوصاً ما يتعلق بمدة الستين يوماً التي تتيح للرئيس تنفيذ عمليات عسكرية دون تفويض من الكونغرس.
ويعتبر دياب أن إعلان وقف الحرب من قبل ترمب يمنح الإدارة الأمريكية مساحة للقول إن المرحلة القتالية انتهت، وإن ما يجري لاحقاً لا يندرج ضمن إطار الحرب، بل ضمن عمليات وضغوط متعددة الوسائل.
أما الهدف الثاني، بحسب دياب، فيتمثل في تهدئة الداخل الأمريكي، حيث تتصاعد الانتقادات الشعبية والسياسية ضد كلفة الحرب على المستويين البشري والاقتصادي، إضافة إلى الجدل حول أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما الاتهامات بأن واشنطن تقدم مصالح إسرائيل على حساب المصالح الأمريكية المباشرة.

تخفيف الضغط واحتواء الغضب الداخلي

ويشير دياب إلى أن هذا الإعلان يسهم في تخفيف الضغط على الإدارة الأمريكية واحتواء الغضب الداخلي.
وفي الهدف الثالث، يشير دياب إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى من خلال هذا الإعلان إلى تهدئة الأسواق العالمية، خاصة أسواق الطاقة والنفط والتجارة الدولية، بما يشمل سلاسل الإمداد والغذاء، مؤكداً أن استقرار الخطاب السياسي الأمريكي ينعكس مباشرة على استقرار اقتصادي عالمي حساس.

اللجوء إلى عمليات محدودة

وعن السؤال المركزي المتعلق بإمكانية العودة إلى الحرب، يرى دياب أن إعلان وقف الحرب لا يعني بالضرورة استبعاد العودة إلى التصعيد، لكنه يرجّح في الوقت ذاته بأن الولايات المتحدة الأمريكية غير راغبة حالياً ولا ترى مصلحة استراتيجية في خوض حرب واسعة مع إيران.
وبحسب دياب، فإنه بدلاً من ذلك، قد تلجأ واشنطن إلى عمليات محدودة مثل ضربات عسكرية موضعية أو اغتيالات أو استهداف بنى تحتية، مع تبرير ذلك بأنه "دفاع عن النفس" في مواجهة تهديدات إيرانية مزعومة للأمن العالمي أو المصالح الأمريكية.

إجراءات دفاعية وليست حرباً مفتوحة

ويوضح دياب أن هذا النمط يسمح للإدارة الأمريكية بتقديم هذه العمليات أمام الكونغرس والرأي العام بوصفها إجراءات دفاعية أو عمليات محدودة، وليست حرباً مفتوحة، ما يخفف من القيود القانونية والسياسية الداخلية.
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية، يطرح دياب احتمالين رئيسيين، الأول يتمثل في التوصل إلى حلول جزئية بين واشنطن وطهران تشمل تفاهمات محدودة في ملفات مثل الملاحة في مقابل تخفيف جزئي للحصار البحري، وهي معادلة قد تخدم ترمب داخلياً قبيل الانتخابات النصفية عبر تحسين المؤشرات الاقتصادية وتهدئة أسعار النفط، كما تمنحه فرصة لإعادة تقديم نفسه كصانع تهدئة إقليمية.
لكن دياب يشير إلى أن هذا السيناريو قد يضعف موقف إسرائيل ويحد من قدرتها على تحقيق إنجازات عسكرية أو سياسية في ساحات متعددة مثل إيران ولبنان وحتى غزة.

إدارة الصراع دون الوصول إلى اتفاق شامل

أما السيناريو الثاني، والذي يرجّح دياب أنه الأكثر احتمالاً، فيقوم على إدارة الصراع دون الوصول إلى اتفاق شامل، وفق مقولة "عدم اتفاق أفضل من اتفاق سيء"، ووفق هذا التصور، يتم الإبقاء على مستوى من التوتر المضبوط دون انفجار شامل أو تسوية نهائية، بما يتيح لواشنطن الحفاظ على أوراق الضغط، ويمنح ترمب هامشاً سياسياً في الداخل الأمريكي، خاصة في ظل الانتخابات النصفية.
ويشير دياب إلى أن هذا السيناريو يسمح باستمرار عنصر المفاجأة والضربات المحدودة عند الحاجة، سواء قبل الانتخابات أو بعدها، دون التورط في التزامات سياسية أو قانونية طويلة الأمد.
ويعتبر دياب أن هذا الخيار يخدم أيضاً المصلحة الإسرائيلية، إذ يتيح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استخدام حالة التوتر مع إيران لتعزيز موقفه الداخلي، والتأكيد على التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، إضافة إلى توسيع هامش الحركة في لبنان وغزة.

السيناريو "المعادل" بين مصالح واشنطن وتل أبيب

ويرى دياب بأن هذا السيناريو "المعادل" بين مصالح واشنطن وتل أبيب يبدو الأكثر ترجيحاً، لأنه يحافظ على التوازن بين أهداف ترمب الانتخابية، ومصالح إسرائيل الأمنية، دون دفع المنطقة نحو اتفاق شامل قد يُنظر إليه كتنازل سياسي، أو حرب شاملة يصعب التحكم بتداعياتها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا