تتصاعد نذر المواجهة الشاملة في قطاع غزة مع إعلان هيئة البث الإسرائيلية عن اجتماع مرتقب للمجلس الوزاري الأمني المصغر 'الكابينت' مساء اليوم الأحد. ويهدف الاجتماع لمناقشة إمكانية استئناف العمليات العسكرية الواسعة، رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار سارٍ منذ أكتوبر الماضي، مما يضع التهدئة الهشة على حافة الانهيار.
وتأتي هذه التحركات السياسية بالتوازي مع تقارير عسكرية تشير إلى أن قيادة الأركان الإسرائيلية ترى في غزة 'مهمة لم تكتمل'. وتدعي أوساط في جيش الاحتلال أن العودة للقتال باتت ضرورة لاستهداف ما تبقى من قدرات عسكرية لحركة حماس، خاصة في ظل تعثر ملف نزع السلاح الذي تشترطه تل أبيب للانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق.
ميدانياً، كشفت مصادر مطلعة عن تغييرات جوهرية في انتشار القوات، حيث قام الجيش الإسرائيلي بسحب ألوية نظامية من جبهة جنوب لبنان ونقلها إلى تخوم قطاع غزة والضفة الغربية. وتعكس هذه التحركات جاهزية قيادة المنطقة الجنوبية لتنفيذ خطط عملياتية جديدة فور صدور القرار السياسي من الحكومة.
وفي تطور خطير يمس الجغرافيا الفلسطينية، وسعت قوات الاحتلال نطاق سيطرتها داخل القطاع عبر استحداث ما يسمى 'الخط البرتقالي'. هذا الإجراء أدى إلى قضم مساحات إضافية من الأراضي التي كان يُسمح للفلسطينيين بالتواجد فيها، لترتفع نسبة المساحة المحتلة من 53% إلى نحو 60% من إجمالي مساحة القطاع.
وأكدت مصادر أممية وجود خرائط جديدة توضح هذا الزحف الجغرافي نحو الغرب، مما أجبر مئات العائلات النازحة على ترك خيامها والهروب مجدداً نحو المناطق الساحلية المكتظة. وترافق هذا التوسع مع زيادة ملحوظة في وتيرة الغارات الجوية وعمليات القنص ضد كل من يقترب من الخطوط الجديدة التي رسمها الاحتلال.
من جانبها، اعتبرت حركة حماس أن هذه الخروقات اليومية وسياسة 'قضم الأراضي' تمثل تنصلاً واضحاً من التزامات المرحلة الأولى من الاتفاق. وأكدت الحركة في بيان لها أن الاحتلال يسعى لفرض واقع ديموغرافي وأمني جديد يقوض فرص الاستقرار وعودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.
وفيما يخص مسار المفاوضات، أفادت مصادر سياسية بأن الحركة أبدت مرونة في مناقشة الترتيبات الأمنية الشاملة، لكنها ربطت ذلك بتحقيق الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني. وترفض المقاومة المقترح الإسرائيلي بنزع السلاح كشرط مسبق، معتبرة أن على الاحتلال تنفيذ استحقاقات الإعمار وفتح المعابر أولاً.
ويرى مراقبون للشأن الإسرائيلي أن نتنياهو يحاول تحويل غزة إلى 'ساحة تعويضية' لإرضاء شركائه في اليمين المتطرف. فكلما واجه ضغوطاً في ملفات أخرى، يلجأ لتصعيد آلة الحرب في القطاع لردم الهوة مع الرأي العام الداخلي الذي تظهر استطلاعاته رغبة في استمرار العمليات العسكرية.
وتتعالى الأصوات داخل الحكومة الإسرائيلية، لا سيما من وزيرة الاستيطان أوريت ستروك، التي دعت صراحة لاستئناف العمليات الحربية خلال أسابيع. وتتلاقى هذه الدعوات مع رغبة اليمين في تنفيذ مخططات التهجير القسري، مستغلين حالة التدمير التي طالت 90% من البنى التحتية في غزة.
المحلل العسكري عاموس هارئيل حذر بدوره من أن التسريبات المتكررة حول تعاظم قوة حماس ليست صدفة، بل هي تمهيد إعلامي لهجوم جديد. وأشار هارئيل إلى أن نتنياهو يطمح لإبقاء جذوة الحرب مشتعلة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات العامة الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل.
وعلى الصعيد الإنساني، يعيش سكان القطاع ظروفاً كارثية في ظل استمرار إغلاق المعابر ونقص الأدوية والمستلزمات الأساسية. وتؤكد التقارير الميدانية أن سياسة التجويع والحصار لا تزال تُستخدم كأداة ضغط سياسي وعسكري ضد المدنيين العزل الذين فقدوا ممتلكاتهم ومصادر رزقهم.
وتبرز تساؤلات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حول قدرة جيش الاحتياط على تحمل أعباء جولة قتال جديدة واسعة النطاق. ففي ظل وصول معدل الخدمة السنوية لجنود الاحتياط إلى 80 يوماً، يخشى بعض القادة من استنزاف القوى البشرية وتأثير ذلك على الكفاءة القتالية للجيش في المدى الطويل.
إن الواقع الجديد الذي تحاول إسرائيل فرضه عبر 'الخطوط الملونة' يهدف إلى تمزيق ما تبقى من وحدة جغرافية للقطاع وتحويله إلى جيوب معزولة. هذا المخطط يواجه برفض فلسطيني ودولي واسع، كونه ينسف أسس أي اتفاق مستقبلي ويؤسس لمرحلة جديدة من الصراع الدامي.
ختاماً، يبقى قرار 'الكابينت' الليلة مؤشراً حاسماً لمسار الأحداث في الأيام المقبلة، فإما الذهاب نحو تهدئة مستدامة تلبي احتياجات السكان، أو الانزلاق مجدداً نحو دوامة من العنف قد تكون الأشد فتكاً منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2023.
المصدر:
القدس