آخر الأخبار

نهب ممتلكات المدنيين في غزة ولبنان: تقرير هآرتس والانتهاكات

شارك

لم تعد الانتهاكات التي يرتكبها جنود الاحتلال في مسارح العمليات العسكرية مجرد حوادث فردية، بل باتت تعكس نمطاً متكرراً يتجاوز السلوكيات العرضية ليصل إلى مستوى الظاهرة المنهجية. وقد سلطت تقارير حديثة الضوء على عمليات نهب واسعة النطاق طالت ممتلكات المدنيين في جنوب لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية، مما يضع المؤسسة العسكرية أمام اتهامات قانونية وأخلاقية ثقيلة.

وفي هذا السياق، كشف تحقيق نشرته صحيفة هآرتس في أبريل 2026 عن شهادات صادمة لجنود وضباط ميدانيين شاركوا في العمليات البرية. وأكدت الشهادات أن عمليات النهب في جنوب لبنان لم تكن سرية، بل جرت علناً وتحت أنظار القادة، حيث شملت المسروقات أجهزة كهربائية وأثاثاً منزلياً وحتى سبائك ذهبية تم نقلها بمركبات الجيش.

ووصف أحد الجنود المشاركين الحالة بأنها 'ظاهرة مجنونة'، مشيراً إلى أن الجنود كانوا يحملون المسروقات في سياراتهم الخاصة أو العسكرية عند مغادرتهم الحدود دون أي محاولة للإخفاء. هذا المشهد يعكس غياباً تاماً للانضباط العسكري وجرأة ناتجة عن اليقين بالإفلات من العقاب والمحاسبة من قبل المستويات العليا.

وتشير المعطيات إلى أن القيادات العسكرية، من مستوى الكتيبة إلى اللواء، كانت على دراية كاملة بهذه الممارسات لكنها فضلت الصمت أو الاكتفاء بتوبيخ شفهي غير مؤثر. ويرجع مراقبون هذا التراخي إلى رغبة القادة في الحفاظ على معنويات جنود الاحتياط الذين خدموا لفترات طويلة تجاوزت 500 يوم منذ بدء الحرب.

وعلى الرغم من ادعاء جيش الاحتلال بأنه يتعامل مع هذه الحوادث بجدية، إلا أن الواقع الميداني كشف عن تناقض صارخ، حيث تمت إزالة نقاط تفتيش الشرطة العسكرية التي كانت مخصصة لمنع النهب. هذا الفراغ الرقابي شجع الجنود على اعتبار ممتلكات المدنيين 'غنائم' أو مواد محكومة بالدمار في ظل العمليات العسكرية المستمرة.

وفي الضفة الغربية، يتخذ النهب طابعاً أكثر تركيباً، حيث يتداخل العمل العسكري مع اعتداءات المستوطنين الممنهجة تحت حماية قوات الاحتلال. وتوثق التقارير الحقوقية حالات متكررة للاستيلاء على أموال ومجوهرات ومقتنيات شخصية خلال الاقتحامات الليلية للمنازل والمحال التجارية في مدن مثل بيت لحم ورام الله.

كما يشكل موسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية مسرحاً لسرقة المحاصيل الزراعية من قبل المستوطنين، في ظل منع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم. هذه الاعتداءات التي تجري غالباً بحضور الجنود، تعزز بيئة تآكل الحماية القانونية للممتلكات الخاصة للفلسطينيين وتحولها إلى مستباحة.

أي شخص يأخذ شيئاً كالتلفزيونات والسجائر والأدوات يضعه فوراً في سيارته؛ إنه ليس سراً، الجميع يراه ويفهمه.

أما في قطاع غزة، فإن الصورة تبدو أكثر قتامة بسبب الدمار الواسع وصعوبة التوثيق الميداني في المناطق المغلقة عسكرياً. ومع ذلك، تشير تقديرات حقوقية إلى أن قيمة الممتلكات التي استولى عليها الجنود من منازل النازحين قد تصل إلى عشرات ملايين الدولارات، بما يشمل مدخرات نقدية وأجهزة إلكترونية ثمينة.

واستغل الجنود في غزة حالة النزوح الجماعي وتفريغ أحياء كاملة من سكانها لتنفيذ عمليات استيلاء واسعة بعيداً عن أعين الرقابة الإعلامية. وقد ظهرت تسجيلات مسربة لجنود يتفاخرون بمقتنيات سرقوها من منازل الغزيين، مما يؤكد أن الظاهرة ليست محصورة في جبهة واحدة بل هي سلوك مؤسسي.

من الناحية القانونية، يمثل هذا السلوك انتهاكاً صارخاً للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر النهب بشكل مطلق في النزاعات المسلحة. كما يصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية النهب كجريمة حرب، خاصة عندما يكتسب طابعاً منهجياً أو واسع النطاق كما هو موثق في هذه التقارير.

وتتحمل القيادة العسكرية الإسرائيلية مسؤولية قانونية مباشرة بموجب مبدأ 'مسؤولية القائد'، حيث أن علمهم بالجرائم وفشلهم في منعها أو معاقبة مرتكبيها يجعلهم شركاء فيها. إن التقاعس عن اتخاذ إجراءات عقابية رادعة يرسل رسالة تشجيع للجنود لمواصلة هذه الانتهاكات دون خوف من الملاحقة.

ويرى محللون أن فتح تحقيق من قبل الشرطة العسكرية بأمر من رئيس الأركان قد لا يتعدى كونه محاولة لامتصاص الغضب الإعلامي وتجنب الملاحقات الدولية. فالتجارب السابقة تشير إلى أن معظم هذه التحقيقات تنتهي بإغلاق الملفات دون توجيه اتهامات فعلية أو استعادة الممتلكات المنهوبة لأصحابها الشرعيين.

إن الربط بين ما يحدث في جنوب لبنان وغزة والضفة الغربية يكشف عن خلل بنيوي في أخلاقيات جيش الاحتلال وتعامله مع ممتلكات 'الآخر'. فالنهب هنا ليس مجرد رغبة في الكسب المادي، بل هو جزء من سياسة تهدف إلى تجريد السكان من مقومات حياتهم وممتلكاتهم كنوع من العقاب الجماعي.

في الختام، يظل توثيق هذه الجرائم خطوة أساسية في بناء ملفات المساءلة الدولية المستقبلية، رغم العوائق السياسية التي تحول دون تحقيق العدالة الناجزة. إن استمرار هذه الممارسات يؤكد أن المسألة تتعلق بنهج عسكري متأصل يستبيح كل ما هو مدني في سبيل تحقيق أهداف سياسية وعسكرية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا