كشفت تقارير دولية ومنظمات تابعة للأمم المتحدة عن استراتيجية إسرائيلية جديدة لتوسيع السيطرة الميدانية على قطاع غزة، من خلال فرض ما يُعرف بـ 'الخط البرتقالي'. ويمثل هذا الخط ترسيمًا عسكريًا جديدًا يمتد خارج 'الخط الأصفر' الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية سابقًا، مما يرفع مساحة المناطق المطوقة عسكريًا إلى نحو 64% من إجمالي مساحة القطاع.
وأفادت مصادر إعلامية بأن جيش الاحتلال دفع بهذا الخط تدريجيًا نحو المناطق الغربية خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث قفزت نسبة السيطرة من 53% عند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 إلى نحو 59%، وصولاً إلى النسبة الحالية التي تلتهم ثلثي مساحة غزة تقريبًا.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي جرى تحليلها مؤخرًا تحركات مكثفة للآليات الإسرائيلية، حيث نُقلت الكتل الخرسانية الصفراء إلى مواقع أعمق داخل عمق القطاع. وتؤكد هذه الصور أن الاحتلال يسعى لتثبيت واقع جغرافي جديد يتجاوز التفاهمات المعلنة، مما يضع آلاف المدنيين في مواجهة مباشرة مع خطر الموت.
ونقلت مصادر عن سكان محليين في غزة شهادات صادمة، حيث أكدوا أنهم يستيقظون ليجدوا الخطوط العسكرية قد تحركت لتقترب من خيامهم ومنازلهم المدمّرة. وبات هؤلاء السكان يجدون أنفسهم فجأة داخل 'مناطق إطلاق نار مفتوحة' دون سابق إنذار، مما أدى إلى سقوط مئات الضحايا منذ بدء سريان التهدئة الهشة.
وعلى الصعيد الإنشائي، عزز الجيش الإسرائيلي تحصيناته ببناء سواتر ترابية ضخمة تمتد لأكثر من 16 كيلومترًا، تهدف لتوفير زوايا رؤية واسعة للقناصة والدبابات. كما شيد الاحتلال 32 موقعًا عسكريًا محصنًا، نُفذت سبعة منها في الأشهر الأخيرة، مما يشير إلى نية واضحة لتحويل هذه الخطوط إلى حدود دائمة.
وفيما يتعلق بـ 'الخط البرتقالي' السري، فقد كشفت مصادر أن إسرائيل سلمت خرائط خاصة لمنظمات الإغاثة الدولية في منتصف مارس الماضي تتضمن هذا الخط. ويحدد الخط منطقة مقيدة إضافية تمتد لمسافة تصل إلى 500 متر خارج الخط الأصفر المعلن، دون أن يتم إبلاغ المدنيين الفلسطينيين بوجوده أو مخاطره.
ورفضت هيئة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق (COGAT) تقديم إجابات واضحة حول معايير تحديث هذه الخرائط أو أسباب إخفائها عن السكان. واكتفى مسؤول في الهيئة بالقول إن حدود هذه المناطق تخضع لتقييمات عملياتية مستمرة، وهو ما يمنح الجيش غطاءً قانونيًا فضفاضًا لاستهداف أي متحرك في تلك المناطق.
من جانبها، وثقت وكالة 'الأونروا' تداعيات هذا التوسع الميداني، مشيرة إلى أن القوات الإسرائيلية تواصل نشاطها العسكري المكثف في مناطق مثل جباليا. وأكدت الوكالة أن 127 منشأة تابعة لها باتت تقع الآن خلف الخطوط الإسرائيلية، مما يتطلب تنسيقًا أمنيًا معقدًا للوصول إليها وتقديم الخدمات للاجئين.
وأعرب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، عن قلق المنظمة البالغ من هذه التطورات، مؤكدًا استلام خرائط 'الخط البرتقالي'. وأوضح دوجاريك أن الأمم المتحدة أُبلغت بضرورة التنسيق المسبق لتحركات فرق الإغاثة، معتبرًا أن هذه الإجراءات تعيق العمل الإنساني وتزيد من معاناة السكان المحاصرين.
ميدانيًا، دفع المدنيون ثمنًا باهظًا لهذه السياسة، حيث استشهد أكثر من 800 فلسطيني بنيران الاحتلال منذ أكتوبر الماضي، أغلبهم في المناطق القريبة من الخطوط العسكرية. وشملت قائمة الضحايا عاملين في منظمات دولية مثل 'اليونيسيف' ومنظمة الصحة العالمية، والذين استُهدفوا أثناء أداء مهامهم في المنطقة الواقعة بين الخطين.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر عبرية عن ضغوط يمارسها كبار المسؤولين في هيئة الأركان الإسرائيلية لاستئناف العمليات القتالية الشاملة في غزة. ويرى هؤلاء المسؤولون أن 'المهمة لم تكتمل'، ويطالبون باستغلال الوقت الحالي لحسم المواجهة مع فصائل المقاومة التي ترفض شروط نزع السلاح.
وتشير التحركات العسكرية الأخيرة إلى جدية هذه التهديدات، حيث قلص الجيش قواته في جنوب لبنان ونقل ألوية نظامية إلى جبهتي غزة والضفة الغربية. وأنهت قيادة المنطقة الجنوبية إعداد خططها العملياتية، بانتظار الضوء الأخضر من المستوى السياسي للعودة إلى مربع الحرب الشاملة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدًا واسعًا، حيث أصدر جيش الاحتلال أوامر إخلاء لـ 11 بلدة في جنوب لبنان، مع تكثيف الغارات الجوية والقصف المدفعي. ويعكس هذا الترابط بين الجبهات رغبة إسرائيلية في إعادة رسم الخارطة الأمنية للمنطقة بأكملها تحت غطاء العمليات العسكرية المستمرة.
ويبقى مصير مليوني فلسطيني في غزة معلقًا بين مطرقة الحصار الخانق وسندان التوسع العسكري الذي يقلص مساحات العيش يومًا بعد يوم. وفي ظل تعثر المبادرات السياسية الدولية، يبدو أن 'الخط البرتقالي' ليس مجرد علامة على خريطة، بل هو جدار جديد يُضاف إلى سجن غزة الكبير.
المصدر:
القدس