تتصاعد التساؤلات حول المصداقية الإسرائيلية في ظل الوقائع الميدانية المتسارعة بجنوب لبنان، حيث تروج تل أبيب لنفسها كقوة ضامنة لاستقرار وازدهار مجتمعات الشرق الأوسط. إلا أن التقارير الموثقة والصور القادمة من الميدان تكشف زيف هذه الادعاءات، مع تسجيل أضرار جسيمة لحقت بمواقع دينية وتاريخية مسيحية وإسلامية على حد سواء.
في بلدة شمع التابعة لقضاء صور، أقدمت جرافات تابعة لجيش الاحتلال في الثالث عشر من أبريل الماضي على هدم مقام 'شمعون الصفا' التاريخي. ولم يكتفِ الاحتلال بعملية الهدم الجرافية، بل أتبعها بغارة جوية لاحقة أدت إلى تدمير الموقع بالكامل، رغم رمزيته التاريخية الكبيرة للحضور المسيحي في المنطقة الجنوبية.
أكدت تحقيقات جغرافية ومطابقة لصور الأقمار الصناعية أجرتها مصادر إعلامية أن المقام المستهدف كان قد خضع لعمليات ترميم سابقة بعد تعرضه لدمار جزئي في مواجهات سابقة. هذا الاستهداف الممنهج يشير إلى رغبة في طمس المعالم الثقافية والدينية التي تميز النسيج الاجتماعي في القرى اللبنانية الحدودية.
وفي حادثة أخرى أثارت غضباً واسعاً، تداول ناشطون وصحفيون صورة توثق قيام جندي إسرائيلي باستخدام فأس لتحطيم تمثال للسيد المسيح في إحدى البلدات الجنوبية. هذه الصورة التي نُشرت في التاسع عشر من أبريل الجاري، تعكس سلوكاً عدائياً يتجاوز الأهداف العسكرية المعلنة للعمليات البرية الإسرائيلية.
أشارت التحليلات البصرية والمقارنات المكانية إلى أن واقعة تحطيم التمثال حدثت داخل منزل في بلدة دبل المسيحية، الواقعة على بعد نحو أربعة كيلومترات من الحدود. وتتواجد القوات الإسرائيلية في هذا النطاق الجغرافي منذ مطلع مارس الماضي، مما يضع المسؤولية المباشرة على عاتق القيادة العسكرية الميدانية.
تفاعلت الأوساط الدولية مع هذه الانتهاكات، مما اضطر الجيش الإسرائيلي لفتح تحقيق داخلي صوري انتهى بإجراءات تأديبية مخففة. فقد تم الاكتفاء بإيقاف جنديين عن العمل لمدة شهر واحد فقط دون تسريحهما، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لامتصاص الغضب دون محاسبة حقيقية على تدنيس الرموز الدينية.
وضمن سياق التبريرات الإسرائيلية، ادعى جيش الاحتلال في أواخر مارس الماضي أن عناصر من حزب الله يستخدمون كنيسة في بلدة الخيام لأغراض عسكرية. ونشر الاحتلال مقطع فيديو يزعم توثيق نشاطات مسلحة داخل الكنيسة، في محاولة لشرعنة استهداف الأعيان المدنية والدينية في المنطقة.
لكن التدقيق في المعالم الظاهرة بالفيديو ومقارنتها بالواقع الميداني أظهر أن الموقع هو كنيسة مار إلياس في الخيام. وتكرر سلطات الاحتلال هذه الاتهامات منذ نهاية العام الماضي، حيث ادعت سابقاً وجود أنفاق وأسلحة في محيط الكنيسة دون تقديم أدلة قطعية ومستقلة تثبت صحة هذه المزاعم.
تضع هذه الممارسات إسرائيل في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي الإنساني، الذي يشدد على ضرورة حماية الأعيان المدنية ذات الطابع الديني والثقافي. وتحظر المادتان 52 و53 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف مهاجمة دور العبادة أو استخدامها في المجهود الحربي، معتبرة إياها خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه.
كما تُلزم اتفاقية لاهاي لعام 1954 الأطراف المتنازعة بحماية الممتلكات الثقافية، بينما يذهب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلى أبعد من ذلك. حيث يصنف النظام تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية كجريمة حرب، ما لم تتحول تلك المباني إلى أهداف عسكرية فعلية ومثبتة.
المصدر:
القدس