تتقاطع مسارات الحياة لتكشف جوانب خفية من الشخصيات العامة، وهو ما يظهر في استعادة ذكرى عباس مدني، الوجه الإسلامي الأبرز في تاريخ الجزائر المعاصر. لقد جمعت الظروف بين الأكاديميين في حي بلوزداد الشعبي وفي أروقة جامعة الجزائر، حيث كان مدني يدرس علوم التربية بينما انشغل رفاقه بعلم الاجتماع، في مرحلة كانت تغلي بالتحولات السياسية والاجتماعية.
شهدت بداية الثمانينيات محطات مفصلية، منها حملة الاعتقالات المباغتة في ربيع 1982 التي طالت مئات الناشطين والجامعيين، بمن فيهم مدني نفسه. فسر البعض تلك الخطوة حينها بأنها محاولة من نظام الرئيس الشاذلي بن جديد لجس نبض القوى السياسية الفاعلة قبل المضي قدماً في إصلاحات اقتصادية وهيكلية جذرية، وهو ما عكس حالة من عدم اليقين السياسي.
بعد العودة من الاعتقال، بدأ المسار السياسي لعباس مدني يتخذ توجهاً إسلامياً محافظاً وأكثر وضوحاً، تجلى في تجمع الجامعة المركزية الشهير عام 1982. صدر عن ذلك التجمع ما عُرف بـ 'بيان النصيحة'، الذي رسم ملامح النسخة الجزائرية من التيار الإسلامي، معبراً عن مواقف حادة تجاه قضايا المرأة ودورها في الفضاء الجامعي العام.
يرى مراقبون أن مدني، الذي كان محسوباً لفترة على التيار الوطني المحافظ داخل جبهة التحرير، اختار الانحياز للشارع الشعبي كفضاء أساسي للنشاط. هذا القرار الاستراتيجي كان نابعاً من إحساس بالتهميش السياسي بعد الاستقلال، رغم تاريخه النضالي الطويل الذي بدأ بالمشاركة في العمليات العسكرية الأولى لثورة نوفمبر 1954.
مع دخول الجزائر عصر التعددية الحزبية، برزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ كقوة اجتماعية هادرة تحت قيادة مدني، متجاوزة التيارات الإخوانية التقليدية. استمد الحزب قوته من القواعد الشعبية العريضة، وهو ما تُرجم لاحقاً إلى فوز ساحق في أول انتخابات تعددية شهدتها البلاد في مطلع التسعينيات، مما أحدث زلزالاً سياسياً.
في أروقة جامعة بوزريعة، كان مدني يظهر كـ 'نجم سياسي' يحاوره الإعلام الأجنبي بكثافة، رغم مفارقة رفضه التحدث بالإنجليزية وهو خريج الجامعات البريطانية. تعكس هذه التفاصيل شخصية مركبة جمعت بين التكوين الأكاديمي الغربي وبين التمسك بالهوية التقليدية واللغة العربية في خطابه العام والخاص.
تُظهر الروايات الشخصية أن مدني كان على اتصال مباشر ودائم بقواعده الشعبية، حيث كان منزله في حي حيدرة مقصداً للمناضلين والشكاوى المحلية. كانت هذه القواعد ترى في حضوره زخماً إعلامياً وسياسياً ضرورياً، حتى وإن كانت بعض التقارير التي تصله من الميدان تبالغ في وصف الأحداث لتأجيج المشهد الاحتجاجي.
يعتقد محللون أن فشل تجربة الإسلام السياسي في تلك الحقبة يعود إلى الفجوة بين الحركة الاجتماعية الهادرة وبين النخبة السياسية التي افتقرت للعمق الفكري. لقد عجزت القيادة عن التحكم في الحيوية الزائدة لـ 'العملاق السياسي' الذي خلقته، مما أدى إلى تصادم مع مؤسسات الدولة انتهى بمأساة وطنية استمرت لسنوات.
انتهى المسار السياسي لعباس مدني بعيداً عن وطنه الذي ناضل من أجل استقلاله، حيث غادر الجزائر في عام 2003 متوجهاً إلى الدوحة. هناك، في أروقة الفنادق الكبرى، عاش سنواته الأخيرة محافظاً على لباسه التقليدي، في مشهد يلخص نهاية حزينة لزعيم كانت مقاليد الأمور يوماً ما قريبة من يديه.
رغم الجدل الكبير الذي أثاره حياً وميتاً، فإن جنازة عباس مدني التي شارك فيها الآلاف بعد عودة جثمانه للجزائر، أثبتت أن الرجل ظل رقماً صعباً في الذاكرة الجمعية. تظل تجربته مادة دسمة للدراسة التاريخية والسياسية، لفهم تعقيدات العلاقة بين الدين والدولة والصراع على السلطة في المغرب العربي.
المصدر:
القدس