أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، مساء الأحد، النتائج الرسمية لانتخابات الهيئات المحلية التي جرت في الضفة الغربية والقدس ومدينة دير البلح بقطاع غزة. وأظهرت البيانات الرسمية أن نسبة التصويت النهائية بلغت 53.4%، حيث مارس أكثر من نصف مليون فلسطيني حقهم الانتخابي في مراكز الاقتراع الموزعة على مختلف المحافظات.
وشهدت العملية الانتخابية تبايناً حاداً في نسب المشاركة بين المناطق، إذ بلغت النسبة في محافظة القدس 43.9% شملت خمس هيئات محلية فقط، بينما سجلت مدينة الخليل واحدة من أقل نسب التصويت بواقع 30% رغم ضخامة كتلتها الناخبية. وفي المقابل، حُسمت النتائج في 197 هيئة محلية عن طريق التزكية، مما أثار تساؤلات حول تراجع التعددية في مراكز الثقل السكاني.
وفي مشهد لافت، أصر المسن الفلسطيني نادر شعبان، البالغ من العمر 97 عاماً، على التوجه لمركز الاقتراع في قرية الجلمة شمال جنين للإدلاء بصوته. وأكد شعبان أن دافعه هو أداء الواجب الوطني ودعم من يراه الأنسب لخدمة المجتمع، رغم تشكيكه في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير جذري في ظل الواقع القائم.
وعلى الصعيد الميداني، سجلت مدينة دير البلح في قطاع غزة سابقة انتخابية بإجراء الاقتراع في 12 مركزاً لأول مرة منذ أكثر من عقدين، حيث بلغت نسبة المشاركة فيها 22.7%. وقد اضطرت لجنة الانتخابات لتمديد فترة التصويت في المدينة لساعة إضافية لتمكين المواطنين من الوصول إلى الصناديق في ظل الظروف الاستثنائية.
وفي مدينة نابلس، سادت حالة من الاستياء بعد إعلان فوز قائمة عنان الأتيرة بالتزكية، وهو ما حرم نحو 89 ألف ناخب من ممارسة حقهم في الاختيار. ووجه مرشحون مستقلون اتهامات للأجهزة الأمنية الفلسطينية بممارسة ضغوط حالت دون اكتمال قوائمهم المنافسة، مما أدى لتعطيل العملية الديمقراطية في المدينة.
وأوضح الأكاديمي محمد دويكات أنه قدم طعناً رسمياً للجنة الانتخابات بعد تعرض مرشحين في قائمته للاحتجاز من قبل جهازي الأمن الوقائي والمخابرات العامة. وأشار دويكات إلى أن هذه الاستدعاءات تسببت في عدم قدرته على تسجيل القائمة في الموعد المحدد، معتبراً ما جرى تغييباً قسرياً للمنافسة الانتخابية الحقيقية.
وبرز شرط 'الاعتراف بالتزامات منظمة التحرير' كعائق أساسي أمام مشاركة واسعة، حيث اعتبرته قوى سياسية ودينية شرطاً إقصائياً يتناقض مع أسس التعددية. وأدى هذا البند إلى مقاطعة فصائل وازنة للانتخابات، سواء بالامتناع عن الترشح أو دعوة المناصرين لعدم التوجه إلى صناديق الاقتراع، مما أثر بوضوح على الزخم الانتخابي.
من جانبه، رأى المحلل السياسي أكرم النتشة أن تراجع الإقبال مقارنة بانتخابات عام 2022 يعود أيضاً إلى انشغال المواطن بالهموم اليومية وتصاعد اعتداءات الاحتلال. وأضاف النتشة أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة جعلت من الحدث الانتخابي قضية ثانوية لدى قطاعات واسعة من الشارع الفلسطيني.
ولم تكن العملية الانتخابية بمعزل عن انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، حيث أفادت مصادر محلية بإصابة 6 مواطنين خلال مداهمة جنود الاحتلال لمركز اقتراع في مدينة الخليل. كما شهد مخيم العروب مواجهات عقب إغلاق الصناديق، في حين قام مستوطنون بقطع الطرق المؤدية لبعض القرى في محيط القدس لعرقلة وصول الناخبين.
وفي سياق التحليل السياسي، اعتبر الناشط عمر عساف أن اشتراط الالتزام ببرنامج المنظمة يفرغ العملية الانتخابية من جوهرها الديمقراطي ويحولها إلى إجراء شكلي. وحذر عساف من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى عزوف دائم للمواطنين عن المشاركة في أي استحقاقات وطنية أو تشريعية مستقبلية.
بالمقابل، أشار أستاذ العلوم السياسية أيمن يوسف إلى أن هذه الشروط قد تكون نتاج ضغوط دولية تهدف لضمان استقرار المسار السياسي الفلسطيني بعد أحداث أكتوبر. وأوضح يوسف أن نتائج هذه الانتخابات ستكون مؤشراً هاماً لمستقبل تجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية في ظل تعثر ملف المصالحة بين فتح وحماس.
وتشير المعطيات إلى أن غياب الانتخابات في مدن كبرى مثل رام الله وقلقيلية يعكس أزمة في تشكيل القوائم والقدرة على المنافسة في ظل الاستقطاب الحاد. فبينما ذهبت رام الله للتزكية، فشلت قلقيلية تماماً في تقديم أي قائمة مرشحة، مما يضع الهيئات المحلية أمام تحديات قانونية وإدارية في المرحلة المقبلة.
وعلى الرغم من التحديات، اعتبرت مصادر رسمية أن إجراء الانتخابات في هذا التوقيت يمثل رسالة حول قدرة المؤسسات الفلسطينية على إدارة الشأن الداخلي. وأكدت لجنة الانتخابات أنها عملت وفق القانون لضمان نزاهة العملية، رغم كافة الاعتراضات السياسية والقانونية التي رافقت مراحل التسجيل والاقتراع.
ويبقى التحدي الأكبر أمام المجالس المحلية المنتخبة هو تقديم خدمات ملموسة للمواطنين بعيداً عن التجاذبات السياسية التي طغت على المشهد. فالمواطن الفلسطيني، كما عبر عن ذلك المشاركون في الاقتراع، ينتظر برامج خدماتية ترتقي بواقع القرى والمدن وتواجه التحديات الاقتصادية المتفاقمة.
المصدر:
القدس