وضعت أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، الدول الأوروبية أمام مرآة مسؤولياتها الأخلاقية، متسائلة عن سبب عجز القارة عن اتخاذ مواقف حازمة تجاه الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي. وأشارت كالامار في تصريحات حديثة إلى أن النموذج الإسباني يثبت إمكانية المقاومة السياسية والتمسك بالمعايير الدولية، معتبرة أن ما يمنع بقية العواصم هو حالة من التخاذل غير المبرر أمام الهجمات التي تستهدف قيم التعاون العالمي.
وفي الوقت الذي أصدرت فيه منظمة العفو تقريرها السنوي المندد بسياسات قادة مثل نتنياهو وترامب وبوتين، وصفت المنظمة تحركاتهم بأنها 'هجمات افتراسية' تهدف لهدم النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية. ودعت المنظمة المجتمع الدولي إلى التوقف عن مهادنة هؤلاء الساسة الذين يسعون لفرض نظام بديل يقوم على العنصرية واللامساواة، محذرة من أن الصمت الحالي ينذر بمصير سيئ للإنسانية جمعاء.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، كشفت كواليس اجتماعات وزراء الخارجية الأوروبيين عن انقسام حاد، حيث اصطدمت محاولات تعليق اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع إسرائيل بجدار الرفض الألماني والإيطالي. ورغم الدعم الذي قدمته دول مثل إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا لهذا المقترح، إلا أن حق النقض حال دون اتخاذ إجراء عقابي فعلي، متجاهلاً عريضة شعبية وقعها أكثر من مليون مواطن أوروبي يطالبون بمحاسبة إسرائيل على جرائمها في غزة والضفة ولبنان.
وتكشف لغة الأرقام عن حجم النفوذ الاقتصادي الذي يمتلكه الاتحاد الأوروبي، كونه الشريك التجاري الأول لإسرائيل في العالم بمبادلات سنوية تتخطى 42 مليار يورو. وتمثل هذه التجارة شريان حياة للدولة العبرية، إذ تشكل 34% من وارداتها و29% من صادراتها، مما يعني أن استخدام السلاح الاقتصادي كفيل بإجبار تل أبيب على الإصغاء لصوت العقل والالتزام بالقرارات الدولية التي دأبت على استحقارها.
وتتصدر ألمانيا قائمة الشركاء التجاريين لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي بحجم تبادل يصل إلى 7.5 مليار يورو، تليها هولندا وإيرلندا وإيطاليا بمبالغ متفاوتة. والمفارقة تكمن في أن إسرائيل، رغم اعتمادها الكبير على السوق الأوروبية، لا تمثل وزناً اقتصادياً ضخماً للاتحاد، حيث لا تتجاوز المبادلات معها 1% من إجمالي التجارة الأوروبية، مما يعزز فرضية أن العائق هو 'عقدة الخوف' السياسية لا المصلحة الاقتصادية البحتة.
وفي الشق العسكري، تبرز ألمانيا كداعم رئيسي، حيث تعد المزود الثاني للسلاح لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، مؤمنةً نحو ثلث احتياجاتها العسكرية. وقد منحت برلين تراخيص تصدير أسلحة لشركاتها بقيمة 580 مليون يورو في الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025، وهو ما يضعها في موقع الشريك المباشر في تعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية وسط الانتقادات الدولية الواسعة.
أما بقية القوى الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا، فتظهر بياناتها مساهمات عسكرية أقل بكثير، حيث لم تتجاوز الصادرات الفرنسية 16 مليون يورو في عام 2024. ويؤكد هذا التباين في الأرقام والمواقف أن الأزمة الحقيقية تكمن في 'الجبن الأخلاقي' المتوارث بين الحكومات الأوروبية، والذي يمنعها من تحويل ثقلها الاقتصادي إلى أداة ضغط فعالة لوقف الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في المنطقة.
المصدر:
القدس