تشهد مفاوضات القاهرة الجارية حالة من التعقيد الشديد، حيث يواجه المسار التفاوضي محاولات إسرائيلية مستمرة للالتفاف على بنود اتفاق وقف إطلاق النار للمرحلة الأولى. وتفيد مصادر بأن الاحتلال لم يكتفِ بتجاهل الدعوات الدولية للالتزام بالاتفاق، بل ذهب نحو مأسسة الخروقات الميدانية والسياسية.
سجلت الفترة التي تلت إنفاذ اتفاق تشرين الأول/ أكتوبر 2025 تصعيداً دامياً، حيث قتلت قوات الاحتلال نحو 800 فلسطيني وأصابت أكثر من 2000 آخرين. وتأتي هذه الجرائم في سياق توسعة ما يعرف بـ 'الخط الأصفر' وتكثيف العمليات العسكرية التي تمزق جوهر التفاهمات الموقعة سابقاً في شرم الشيخ.
تتزايد الانتقادات الموجهة لدور الوسطاء والمبعوث السامي لمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، حيث تُتهم بعض الأطراف بالانحياز للأجندة الإسرائيلية الأمريكية. ويرى مراقبون أن هذا الانحياز يمارس ضغوطاً غير متكافئة على المقاومة الفلسطينية للقبول بفرضيات السيطرة والتحكم التي يطرحها الاحتلال.
على الصعيد الإداري، لا يزال الاحتلال يعيق دخول أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، رغم مرور سبعة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار. هذا التعطيل الممنهج يهدف إلى منع أي استقرار مؤسسي فلسطيني داخل القطاع، وإبقاء الملف رهينة للابتزاز السياسي المستمر.
تتعمد قوات الاحتلال إعاقة وصول الشاحنات والمساعدات الإنسانية إلى السكان المحاصرين، بالتزامن مع نشاط مكثف لمجموعات إجرامية تنفذ عمليات خطف واغتيال. هذه الممارسات تهدف إلى خلق حالة من الفوضى الأمنية لتسهيل فرض واقع جديد على الأرض يخدم أهداف الاحتلال طويلة المدى.
تبرز في الأفق مخاوف جدية من مشاريع 'التهجير الناعم' التي يروج لها وزراء متطرفون في حكومة الاحتلال مثل سموتريتش وبن غفير. وتعتمد هذه الاستراتيجية على تدمير مقومات الحياة الأساسية في غزة لدفع السكان نحو الرحيل الطوعي تحت وطأة المعاناة الإنسانية المتفاقمة.
يشير التحليل السياسي للمشهد إلى أن الولايات المتحدة والاحتلال يسعيان للانتقال إلى المرحلة الثانية من المفاوضات دون الوفاء بالتزامات المرحلة الأولى. هذا التوجه يضعف مصداقية 'مجلس السلام' ويحول دور الوسطاء من رقباء على الاتفاق إلى أدوات ضغط على الطرف الفلسطيني وحده.
إن التموضع السلبي لبعض الوسطاء يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر للاستمرار في انتهاكاته دون كلف حقيقية أو عقوبات دولية. فالاكتفاء ببيانات القلق والانتقادات الخجولة من المؤسسات الدولية لم يعد كافياً لردع السياسات الإسرائيلية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية.
يواجه المفاوض الفلسطيني تحدياً وجودياً في القاهرة، حيث يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بشروط تفضي للتهجير، أو العودة لمربع الحرب الشاملة. هذا المأزق يتطلب تدخلاً عاجلاً من القوى الإقليمية لإعادة التوازن لمسار المفاوضات قبل انهياره الكامل.
تبرز 'الرباعية الإقليمية' التي تضم القاهرة وأنقرة والرياض وإسلام آباد كقوة موازنة محتملة في ظل التغيرات الجيوسياسية الأخيرة. إن تفعيل دور هذه الرباعية قد يسهم في تحسين تموضع الوسطاء ليصبح أكثر إيجابية ودعماً للحقوق الفلسطينية المشروعة في مواجهة التطرف الإسرائيلي.
إن نجاح مفاوضات المرحلة الثانية يعتمد بشكل كلي على قدرة الوسطاء على إلزام الاحتلال بتنفيذ استحقاقات إعادة الإعمار وفتح المعابر. وبدون ضمانات حقيقية، ستظل أي تفاهمات مجرد حبر على ورق، بينما تستمر آلة القتل والتدمير في التهام ما تبقى من قطاع غزة.
يحذر خبراء من أن استمرار الصمت تجاه خروقات 'الخط الأصفر' سيؤدي حتماً إلى انفجار الأوضاع مجدداً بشكل أكثر عنفاً. فالشعب الفلسطيني لا يمكنه قبول معادلة 'الهدوء مقابل الجوع' أو 'الأمن مقابل التهجير' التي يحاول اليمين الإسرائيلي المتطرف فرضها كأمر واقع.
ختاماً، تمثل مفاوضات القاهرة اختباراً حقيقياً لمدى جدية المجتمع الدولي في الوصول إلى حل سياسي عادل وقابل للحياة. فإما أن تتحول هذه الجولة إلى بوابة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو تكون مجرد غطاء لمرحلة جديدة من التهجير القسري وتصفية الوجود الفلسطيني في القطاع.
المصدر:
القدس