أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم الخميس أن الاتصالات الدبلوماسية المكثفة التي جرت مؤخراً، لا سيما مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تهدف بشكل أساسي إلى وقف التصعيد العسكري والوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار. وأوضح عون أن المسار التفاوضي المقترح يرتكز على إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، وضمان انسحابها الكامل من الأراضي المحتلة، بالإضافة إلى ملف عودة الأسرى وانتشار الجيش اللبناني على طول الحدود الدولية.
ميدانياً، لم تمنع الهدنة القائمة منذ عشرة أيام استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن استشهاد ثلاثة أشخاص جراء غارة استهدفت طريق شوكين في قضاء النبطية. وأشارت الوزارة في بيانها إلى أن القصف استهدف منطقة تبعد نحو 30 كيلومتراً عن الحدود الجنوبية، مما يمثل خرقاً واضحاً للتفاهمات القائمة، كما أصيب شخصان بينهم طفل في غارة أخرى استهدفت بلدة ياطر.
وفي سياق التحركات السياسية، كشف وزير الإعلام اللبناني بول مرقص عن رغبة الرئيس جوزيف عون في زيارة واشنطن قريباً لإطلاع الإدارة الأمريكية على حقيقة الأوضاع الميدانية. وأكد مرقص أن دول الاتحاد الأوروبي أبدت استعدادها للمشاركة في أي قوة دولية تساهم في حفظ الأمن والاستقرار في الجنوب اللبناني، مشدداً على مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها ووقف نزيف الدماء.
من جانبه، شدد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على أن بيروت تحث إدارة ترمب على ممارسة ضغوط حقيقية على الجانب الإسرائيلي لتقليص مطالبه التعجيزية. وأكد سلام في تصريحات صحفية أن لبنان لن يوقع على أي اتفاق لا يضمن السيادة الكاملة والانسحاب الإسرائيلي من كافة النقاط، معتبراً أن وجود أي منطقة عازلة هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً.
وأوضح سلام أن بقاء القوات الإسرائيلية في أي جزء من الجنوب يمنع النازحين من العودة إلى ديارهم ويعيق عمليات إعادة إعمار القرى والمدن التي دمرها العدوان. وتأتي هذه التصريحات في وقت تبرز فيه شروط إسرائيلية مشددة تربط بين وقف العمليات العسكرية ونزع السلاح الكامل لحزب الله، وهو ما يعقد مهمة الوسطاء في واشنطن.
وتشهد العاصمة الأمريكية واشنطن جولة من المحادثات المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية أمريكية، وهي الأولى من نوعها بهذا المستوى منذ عقود. ويسعى الوفد اللبناني في هذه الجولة إلى تمديد وقف إطلاق النار الذي ينتهي مفعوله يوم الأحد المقبل، في ظل محاولات إسرائيلية لفرض واقع ميداني جديد قبل التوصل لأي اتفاق نهائي.
وأفادت مصادر مطلعة بأن إسرائيل تنظر إلى سيطرتها الحالية على بعض المناطق الحدودية كـ 'ورقة ضغط' استراتيجية لانتزاع تنازلات أمنية بعيدة المدى. وتشير التقديرات إلى أن الاحتلال يخطط للإبقاء على تواجده العسكري لأشهر أو ربما سنوات تحت ذريعة توفير ضمانات أمنية لسكان الشمال، مع رصد تحركات لإنشاء بنى تحتية عسكرية ثابتة داخل الأراضي اللبنانية.
وتتجاوز المطالب الإسرائيلية الحالية حدود القرار الدولي 1701، حيث تسعى تل أبيب لفرض رقابة أمنية تمتد إلى شمال نهر الليطاني وكافة الأراضي اللبنانية. هذا التوسع في المطالب يضع المفاوضات أمام طريق مسدود، خاصة مع إصرار لبنان على الالتزام بالقرارات الدولية التي تضمن سيادته دون تدخل عسكري خارجي.
وعلى صعيد الدور الأمريكي، يشارك السفير مايك هاكبي في جولات التفاوض الجارية، مما يعكس اهتماماً مباشراً من إدارة ترمب بملف الجبهة الشمالية. ومع ذلك، تشير مصادر إلى أن واشنطن لم تمارس حتى الآن الضغوط الكافية على إسرائيل لوقف خروقاتها المستمرة، بينما يلتزم الجانب اللبناني ببنود التهدئة رغم الاستفزازات المتكررة.
وفي التطورات الميدانية، أعلن الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ عمليات اغتيال واستهداف في العمق الجنوبي، مدعياً أنها تهدف لإحباط هجمات وشيكة ضد قواته. وفي المقابل، اعترفت وسائل إعلام إسرائيلية بتعرض المواقع العسكرية لهجمات متزايدة باستخدام الطائرات المسيّرة، والتي باتت تشكل تحدياً كبيراً لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.
ونقلت تقارير صحفية عن مصادر عسكرية أن حزب الله كثف من استخدام المسيرات الانتحارية في المواجهات الأخيرة، مما أدى إلى إصابة عشرات الجنود الإسرائيليين. ودفع هذا التهديد المتزايد سلطات الاحتلال إلى رصد ميزانيات ضخمة لتطوير تقنيات مواجهة الطائرات بدون طيار التي تتميز بانخفاض تكلفتها وقدرتها على التخفي.
ويسعى حزب الله من خلال هذه العمليات الميدانية إلى فرض معادلة ردع تمنع إسرائيل من تحويل الجنوب اللبناني إلى ساحة مفتوحة للاغتيالات دون رد. وتؤكد المصادر أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية يهدف إلى اختبار حدود 'حرية العمل العسكري' التي تطالب بها تل أبيب في أي اتفاق مستقبلي.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن فرص التهدئة الدائمة لا تزال تواجه تحديات جسيمة في ظل الفجوة الكبيرة بين المطالب اللبنانية والشروط الإسرائيلية. فبينما يطالب لبنان بانسحاب شامل وفوري، تصر إسرائيل على ترتيبات أمنية تمنحها الحق في التدخل العسكري المباشر عند الضرورة، وهو ما ترفضه بيروت بشكل قاطع.
ختاماً، يبقى الترقب سيد الموقف لما ستسفر عنه لقاءات واشنطن في الساعات القادمة، خاصة مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة المؤقتة. ويأمل اللبنانيون أن تنجح الضغوط الدولية في كبح جماح التصعيد الإسرائيلي ومنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة تدمر ما تبقى من بنى تحتية ومؤسسات مدنية.
المصدر:
القدس