فرضت السلطات الإسرائيلية هذا العام قيوداً أمنية مشددة حالت دون تنظيم مسيرة العودة المركزية التي اعتاد الفلسطينيون في الداخل إقامتها سنوياً. وشملت هذه الإجراءات تحديد أعداد المشاركين بشكل تعجيزي، ومنع رفع الأعلام الوطنية، مما أدى إلى تحويل الفعالية من حشد جماهيري إلى نشاط محدود فاقد لزخمه الميداني المعتاد.
أمام هذا الواقع المفروض، لم تتوقف الفعاليات الوطنية بل أعادت تشكيل نفسها عبر مسارات بديلة حافظت على جوهر القضية. وانطلقت عشرات العائلات في مسيرات فردية نحو القرى المهجرة، بالتزامن مع حضور رقمي واسع على منصات التواصل الاجتماعي لتجسيد حق العودة في الذاكرة الجماعية.
أفادت مصادر بأن الشروط التي وضعتها الشرطة الإسرائيلية كانت تهدف بوضوح إلى تقويض المعنى السياسي والوطني للمسيرة. ومع ذلك، برزت شهادات اللاجئين في الداخل كأداة للمقاومة الثقافية، حيث استعاد المهجرون تفاصيل قراهم ونقلوها إلى الأجيال الشابة التي لم تعاصر النكبة.
أمجد شبيطة، أحد المهجرين من قرية مسكة، يرى أن هذه القيود لم تمنعه من شد الرحال إلى جذوره رغم إلغاء المسيرة المركزية. واعتبر شبيطة أن قضاء يوم كامل بين أطلال القرية المهجرة يمثل فرصة لتعميق الارتباط بالأرض بعيداً عن صخب الحشود الكبيرة، مؤكداً أن اليقين بالعودة لا يزال راسخاً.
في سفوح جبال الكرمل، يقف المهندس سليمان فحماوي شاهداً على مأساة قرية أم الزينات التي هُجّر منها طفلاً. يحرص فحماوي على اصطحاب أحفاده سنوياً إلى حطام منزله القديم، ليزرع في نفوسهم أن العودة ليست مجرد ذكرى عابرة بل هي وعد حي يسكن الوجدان الفلسطيني.
أوضح فحماوي أن محاولات الشرطة الإسرائيلية لتقليص معنى المسيرة أدت إلى نتيجة عكسية تماماً. فبدلاً من مسيرة واحدة مركزية، تحول الحراك إلى عشرات المسيرات المحلية التي غطت مختلف القرى المهجرة، مما حول 'يوم العودة' إلى 'شهر كامل' من الفعاليات المتواصلة.
من جانبه، كشف خالد عوض، المنسق الإعلامي لجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين، عن كواليس قرار تعليق المسيرة الميدانية. وأكد أن القرار جاء بعد مشاورات مع لجنة المتابعة العليا ومركز 'عدالة' الحقوقي، لتجنب تعريض المشاركين لمخاطر الاقتحامات والاعتقالات في ظل التهديدات الإسرائيلية.
أطلقت الجمعية بدلاً من ذلك 'مسيرة العودة الرقمية' التي بثت عبر الفضاء الإلكتروني، متضمنة كلمات للمهجرين وفقرات فنية وطنية. ويهدف هذا التحول الرقمي إلى ضمان وصول الرواية الفلسطينية إلى أوسع نطاق ممكن، متجاوزة الحواجز الجغرافية والقيود الأمنية التي يفرضها الاحتلال على الأرض.
تتضمن الفعاليات الرقمية شهادات حية لأهالي قرية الدامون المهجرة، التي كان من المفترض أن تحتضن المسيرة المركزية هذا العام. وتسعى هذه المبادرة إلى الحفاظ على التسلسل التاريخي للنكبة وربط المهجرين في الداخل بشتاتهم عبر منصات التواصل الحديثة.
يرى مراقبون أن تكيف الفلسطينيين مع الواقع المفروض يعكس مرونة عالية في إدارة الصراع على الذاكرة. فالحكاية الفلسطينية لم تعد هشة أمام محاولات الطمس، بل تحولت إلى إرث يحمله الجيل الجديد بثقة ومسؤولية عالية تجاه حقوقهم التاريخية.
مشروع 'آثار النكبة' الذي يستمر حتى منتصف مايو المقبل، يمثل إطاراً زمنياً موسعاً لإحياء الذكرى بأساليب متنوعة. ويشمل المشروع جولات ميدانية تعليمية وندوات فكرية تهدف إلى تعزيز الوعي بحق العودة كحق غير قابل للتصرف أو المساومة.
على أطلال القرى المهجرة، حيث تختلط الحجارة بالصمت، يواصل الكبار سرد الحكايات للأطفال الذين باتوا حراس الرواية. هؤلاء الأطفال، رغم أنهم لم يعيشوا أحداث عام 1948، إلا أنهم أصبحوا اليوم الأمناء على خارطة الوطن وقراه التي مسحتها آلة الحرب الإسرائيلية.
تؤكد الفعاليات الجارية أن الرسالة الفلسطينية لم تتغير رغم تغير الأدوات والوسائل المستخدمة في التعبير. وشعار 'لا تنازل ولا تفريط' يظل هو المحرك الأساسي لكل التحركات، سواء كانت ميدانية في القرى المهجرة أو افتراضية عبر الشاشات الرقمية.
في نهاية المطاف، يثبت المشهد في الداخل الفلسطيني أن الذاكرة أقوى من التضييق الأمني والسياسي. وإعادة ابتكار مسيرة العودة بأشكال مختلفة يوجه رسالة واضحة للاحتلال بأن سياسات الترهيب والمنع لن تنجح في محو الحقوق التاريخية من عقول وقلوب أصحاب الأرض.
المصدر:
القدس