يواجه لبنان في ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل حرباً من نوع آخر تستهدف تفتيت نسيجه الاجتماعي وضرب ركائز العيش المشترك بين مكوناته. هذه الحرب التي توصف بأنها 'قذرة' تتجاوز في خطورتها القصف المادي، إذ تهدف إلى خلق شرخ دائم بين الطوائف اللبنانية يصعب ترميمه بعد انتهاء العمليات العسكرية.
كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن جريمة مركبة يرتكبها جيش الاحتلال عبر تنفيذ سياسات تهجير غير قانونية. وتعتمد هذه السياسة على إجبار المدنيين على ترك منازلهم، ثم تهديد سكان المناطق الأخرى بالقصف والتدمير في حال استقبالهم لهؤلاء النازحين في بلداتهم.
وثقت تقارير حقوقية قيام ضباط في جيش الاحتلال بإجراء اتصالات مباشرة مع رؤساء بلديات ومخاتير في ثماني قرى على الأقل ذات أغلبية مسيحية ودرزية في الجنوب. حملت هذه الاتصالات أوامر صريحة بإخلاء العائلات النازحة، التي ينتمي أغلبها للطائفة الشيعية، تحت طائلة التدمير المباشر للمنشآت والبيوت.
أدت هذه التهديدات غير المشروعة إلى ضغوط هائلة على المجتمعات المحلية، مما دفع بعضها للرضوخ وإجبار النازحين على المغادرة قسراً تجنباً للقصف. ويهدف الاحتلال من وراء ذلك إلى صناعة 'جزر أمنية' وهمية للقرى غير الشيعية، لعزل حركات المقاومة عن حاضنتها الوطنية الشاملة.
تتصل هذه الاستراتيجية بثقافة صهيونية-أمريكية قديمة تربط بين الرفاهية المادية والتخلي عن خيار المقاومة أو التطبيع مع الاحتلال. وتحاول هذه السياسة إغراء المكونات الاجتماعية بالهدوء والأمان مقابل نبذ النازحين أو القوى السياسية التي تخوض المواجهة العسكرية مع الكيان.
إن محاولة ربط 'الأمان' بالانعزال عن الهم الوطني تهدف لتحويل المناضل إلى طرف محايد أو حتى خصم للداخل، وهو مدخل خطير لإفساد النفوس وتفكيك الجبهة الداخلية. وقد جُربت هذه الوعود بالرخاء في مناطق عديدة سابقاً، لكن الواقع أثبت أنها مجرد أدوات للسيطرة والابتزاز السياسي.
تنتقل سياسة 'فرق تسد' اليوم من مستوى الدول والإقليم إلى داخل الدولة الواحدة والمجتمع الواحد في لبنان. وهذا الانزلاق يهدد بكارثة أهلية في بلد لا تزال الطائفية ترسم جزءاً كبيراً من تركيبته السياسية والاجتماعية القابلة للاشتعال عند أي احتكاك.
أما استهداف المكون المسيحي فيأتي من باب إثارة النعرات الطائفية التاريخية وتصوير النازحين كعبء أمني أو ديموغرافي. ولو نجح الاحتلال في إشعال مواجهات داخلية بين النازحين والمجتمعات المضيفة، فإن آثار ذلك ستمتد لتشمل المنطقة بأكملها وتخلق عداوات عابرة للحدود.
يؤكد مراقبون ضرورة رفض قادة الطوائف والمخاتير لهذه الإملاءات الإسرائيلية والتمسك بواجب إيواء الإخوة في الوطن. إن الموقف الجماعي الرافض لتهديدات الاحتلال هو السبيل الوحيد لإفشال مخططات الفتنة ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في حماية المدنيين.
تمر المنطقة بمسار تغيير جذري سينتج توازنات قوى جديدة في المستقبل القريب، حيث يحاول الاحتلال رسم ملامح هذا التغيير بالقوة. ورغم الشراسة العسكرية، لا يزال محور المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن يفرض نفسه كمعادلة صعبة لا يمكن تجاوزها بسهولة.
برزت في الآونة الأخيرة قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان كأطراف فاعلة في التوازنات السياسية، بالتوازي مع أدوار مصر والسعودية. ويُنتظر من هذه القوى أن تتبنى مواقف مختلفة تدعم الحقوق العربية والإسلامية في مواجهة التوسع الصهيوني الذي لا يفهم إلا لغة القوة.
إن الأوضاع الراهنة تستدعي تماسكاً اجتماعياً داخلياً صلباً في كل دولة عربية كخط دفاع أول ضد المشاريع الخارجية. وبدون هذا التماسك، سيظل الكيان الصهيوني قادراً على اختراق المجتمعات وتمرير مخططاته التوسعية على حساب دماء الشعوب واستقرارها.
في الختام، يبقى التشرذم العربي الرسمي هو الثغرة التي ينفذ منها 'الكيان السرطاني' لتحقيق أهدافه في المنطقة. وإذا لم يتم تدارك الأمر ومنع انتقال هذا التشرذم إلى داخل النسيج الشعبي، فإن الخلاص من خطر الاحتلال سيظل بعيد المنال وصعب التحقيق.
المصدر:
القدس