يخطو النازحون الفلسطينيون في قطاع غزة خطوات استثنائية للتكيف مع واقع الحرب المرير، حيث تحولت بقايا المنازل التي دمرها القصف إلى سلع ثمينة في أسواق غير تقليدية. وتنتشر في أزقة مدينة غزة ساحات لعرض الخردة والمخلفات التي يتم استخراجها من تحت الركام، ليعاد تشكيلها بما يخدم الاحتياجات اليومية الملحة للسكان المحاصرين.
أفادت مصادر ميدانية بأن كل زاوية في هذه الأسواق المبتكرة تضم بقايا أثاث وأدوات منزلية، بعضها نجا من القمار والبعض الآخر يُباع كقطع غيار. ويقضي النازحون ساعات طويلة في البحث بين الأنقاض عن أي قطعة معدنية أو خشبية يمكن ترميمها واستخدامها مجدداً في ظل انعدام البدائل التجارية في الأسواق المحلية.
يروي النازح أبو رامي تجربته في هذا السوق الموازي، حيث تمكن من انتشال أدوات مطبخ وأبواب ونوافذ من تحت ركام منزله ومنازل جيرانه. ويقوم أبو رامي بعمليات إصلاح دقيقة لهذه المقتنيات لتوفير قطع غيار بديلة لمن تعطلت لديهم مستلزمات الحياة الأساسية، محاولاً سد الفجوة الكبيرة التي خلفها منع دخول البضائع.
وفي مشهد آخر من مشاهد الصمود، استطاع النازح وسيم تحويل قطع خشبية متفرقة إلى خيمة تأويه مع عائلته، مستخدماً باباً قديماً كحاجز لمنع دخول الحيوانات الضالة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل عمد وسيم إلى إصلاح كراسي مكسورة وترقيع مناشر غسيل بوسائل بدائية جداً، مؤكداً أن الحاجة هي التي تدفعهم لابتكار هذه الحلول.
على صعيد البناء، يبرز دور المهنيين الذين يحاولون ترميم ما يمكن ترميمه، حيث يعمل المقاول أبو أحمد، صاحب الخبرة الطويلة التي تمتد لـ 35 عاماً، في رصف الحجارة المستصلحة. ويؤكد أبو أحمد أن هذه المرحلة هي الأصعب في تاريخ العمل الإنشائي بالقطاع، نظراً للغياب التام لمواد البناء الأساسية مثل الإسمنت وقوالب الطوب.
يأتي هذا الاعتماد الكلي على الركام نتيجة للقيود الصارمة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، حيث يُمنع إدخال مواد الإعمار بذريعة 'الاستخدام المزدوج'. هذا المنع فاقم الأزمات المعيشية وضاعف معاناة مئات آلاف العائلات التي وجدت نفسها بلا مأوى أو أدوات بسيطة لإعداد الطعام أو ممارسة حياتها الطبيعية.
تشير البيانات إلى أن سلطات الاحتلال تمنع دخول أكثر من 350 صنفاً من المواد الغذائية والأساسية منذ بدء العدوان في أكتوبر 2023. وتشمل هذه القائمة الطويلة سلعاً حيوية مثل اللحوم الحمراء والأسماك والأجبان والخضروات، بالإضافة إلى بيض المائدة ومشتقات الألبان، مما أدى إلى انتشار سوء التغذية بشكل حاد.
ولا تقتصر قائمة الممنوعات على الغذاء فحسب، بل تمتد لتشمل الخيام ذات الأعمدة المعدنية وأجهزة التعقيم الكبيرة وبذور البطاطس وقطع غيار الشاحنات. ويدعي الاحتلال أن هذه المواد قد تُستخدم لأغراض عسكرية، وهو ما يحرم المدنيين من أبسط مقومات الرعاية الصحية والزراعية واللوجستية اللازمة للبقاء على قيد الحياة.
رغم هذه الظروف القاسية، يواصل أهل غزة محاولاتهم لترميم حياتهم بما توفر من أدوات بسيطة ومخلفات الحرب التي لا تنتهي. فكل قطعة خردة في هذه الأسواق، وإن بدت مهملة للوهلة الأولى، تمثل فرصة جديدة للبقاء ومواجهة سياسة التضييق والحصار التي لا تلوح في الأفق أي بوادر لانفراجها قريباً.
المصدر:
القدس