آخر الأخبار

خروقات الاحتلال في غزة: قصص نازحي الخط الأصفر ومعاناة الشمال

شارك

لم تكن الطالبة مرام مقاط، ابنة السبعة عشر ربيعاً، تدرك أن عودتها من يوم دراسي عادي إلى خيمتها المقامة فوق أنقاض منزلها في بلدة بيت لاهيا ستنتهي بمأساة تقلب حياتها رأساً على عقب. فقد باغتتها رصاصة قناص إسرائيلي اخترقت كتفها لتستقر في النخاع الشوكي، محولةً حلمها في دراسة الطب إلى صراع مرير مع الشلل النصفي الذي سيبقيها طريحة الفراش.

تقف عائلة مرام اليوم عاجزة أمام سريرها في المستشفى، حيث يرى والدها أحلام ابنته تتبدد أمام عينيه بسبب رصاصة غادرة حالت دون استكمالها لتعليمها الثانوي. وتناشد العائلة الجهات الدولية بضرورة التدخل لتأمين سفر ابنتهم للعلاج في الخارج، على أمل استعادة قدرتها على الحركة والعودة لمقاعد الدراسة الجامعية.

هذه الحادثة ليست معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة اعتداءات ممنهجة تستهدف الفلسطينيين في المناطق الشمالية والشرقية من قطاع غزة. وتؤكد الإحصاءات الرسمية سقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى منذ أكتوبر الماضي، جراء خروقات قوات الاحتلال المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم مؤخراً.

في مخيم حلاوة ببلدة جباليا، الذي يعد أكبر تجمع للنازحين في الشمال، يعيش السكان حالة من الرعب الدائم نتيجة الاستهداف اليومي. وقد دفع تكرار الإصابات بالأهالي إلى تنظيم حراك شعبي للتنديد بعمليات القنص وإطلاق النار العشوائي من الطائرات المسيرة التي تلاحقهم حتى داخل خيامهم.

يروي المسن فتحي مهرة، البالغ من العمر 65 عاماً، تفاصيل إصابته برصاصة قناص اخترقت بطنه وهو جالس على فراشه بعد أداء صلاة العشاء. ويؤكد مهرة أن المخيم يقع على مسافة تتجاوز الكيلومتر عن المناطق المصنفة كخطوط قتال، إلا أن ذلك لم يمنع الرصاص من تمزيق أحشائه وخيمته.

وتشير شهادات النازحين في المخيم، الذي يضم نحو 1700 أسرة، إلى أن تدهور الأوضاع الأمنية حول حياتهم إلى جحيم يومي يفتقر لأدنى مقومات الحماية. ويلازم الخوف الأطفال والنساء من تكرار مشاهد الدماء التي تسيل يومياً نتيجة الاستهداف المتعمد للمدنيين في مناطق يفترض أنها آمنة.

من جانبه، أكد غازي أبو وردة، أحد وجهاء المخيم أن الحرب لم تتوقف فعلياً بل اتخذت شكلاً جديداً يستهدف المدنيين والطواقم الطبية بشكل مباشر. وتساءل أبو وردة عن جدوى اتفاق وقف إطلاق النار في ظل تنافس جنود الاحتلال على استهداف رؤوس النازحين من فوق دباباتهم المتمركزة في المحيط.

الحرب لم تقف، بل تحولت إلى استهداف متعمد للمدنيين؛ جنود فوق دباباتهم يتنافسون أيهم يصيب النازح في رأسه.

ويصف الشاب جميل دردونة السلوك اليومي لجيش الاحتلال بأنه عنف منظم يبدأ مع حلول المساء، حيث يجبر إطلاق النار الكثيف العائلات على الانبطاح أرضاً لساعات. وتزيد هذه الاعتداءات من معاناة السكان في ظل انعدام الخدمات الطبية وتدمير البنية التحتية التي تعيق وصول سيارات الإسعاف للمصابين.

وقد وثقت تقارير رسمية صادرة عن جهات حكومية في غزة ارتكاب الاحتلال لأكثر من 2451 خرقاً ميدانياً لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ. وتنوعت هذه الخروقات بين إطلاق النار المباشر، وتوغل الآليات، وقصف المنازل، بمعدل يصل إلى 13 خرقاً في اليوم الواحد.

ويمثل 'الخط الأصفر' الذي استحدثه الاحتلال ذريعة لابتلاع مساحات شاسعة من أراضي القطاع، حيث يُحظر على الفلسطينيين دخول مناطق تشكل أكثر من نصف مساحة غزة. ورغم كونه خطاً افتراضياً، إلا أن الاحتلال ثبته بكتل أسمنتية وحوله إلى حزام أمني يهدد كل من يقترب منه بالقتل الفوري.

ولم يكتفِ الجيش الإسرائيلي بالمساحات الشاسعة التي سيطر عليها، بل عمد إلى إزاحة الخط الأصفر بنحو 300 متر إضافية باتجاه الأحياء السكنية المأهولة. هذا التوسع أدى إلى محاصرة مزيد من العائلات وحرمان المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، مما يفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية في الشمال.

خلال الوقفات الاحتجاجية، رفع الأطفال والنساء لافتات تطالب بالحماية الدولية وتؤكد أن 'المدنيين ليسوا هدفاً'. وعبّر المتظاهرون عن غضبهم من استمرار استهداف الخيام التي لا تقي أصلاً من حرارة الصيف أو برد الشتاء، فكيف لها أن تصد رصاص القناصة المتطور؟

إن المشهد في شمال غزة يعكس واقعاً مأساوياً تتحول فيه الخيام البسيطة إلى أهداف عسكرية مشروعة في نظر جنود الاحتلال. وتكشف قصص المصابين، مثل مرام وفتحي، عن غياب أي ضمانات حقيقية لحماية المدنيين في ظل استمرار سياسة قضم الأراضي وفرض المناطق العازلة بالقوة.

ويبقى أهالي الشمال يرقبون أفقاً مجهولاً، حيث يمتزج أمل العودة إلى الحياة الطبيعية بخوف دائم من رصاصة قد تأتي في أي لحظة. وتظل المطالبات الشعبية قائمة بضرورة وجود رقابة دولية حقيقية تضمن وقف هذه الانتهاكات وتلزم الاحتلال باحترام الاتفاقيات الموقعة لحماية ما تبقى من حياة في القطاع.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا