آخر الأخبار

تسليم العدرة لفرنسا: عائلته تؤكد توقيفه عاماً كاملاً ومخاوف من التداعيات القانونية والسياسية

شارك

بلال العدرة: والدي اتصل بنا من فرنسا وتسليمه مخالف للقانون الأساسي وتم دون وداع ويثير مخاوف عليه وما جرى سابقة قد تطال مناضلين آخرين
محمد الهريني: العدرة نقل بطائرة خاصة من مطار الملكة علياء إلى باريس وعُقدت له جلسة محاكمة أمام المحكمة الجنائية الفرنسية وتم تمديد توقيفه عاماً كاملاً
د. عمار دويك: لا يجوز بأي حال من الأحوال تسليم أي مواطن إلى جهة أجنبية وفق القانون الأساسي الفلسطيني مع وجود إجراءات أو مطالبات قانونية خارجية
عصام عاروري: جرت محاولات لوقف عملية التسليم عبر المحكمة الإدارية الفلسطينية لكنها لم تُكلل بالنجاح ما أدى لحرمان العدرة من حقه القضائي بالوقت المناسب
أمجد الشلة: الأصل عدم جواز تسليم أي مواطن فلسطيني خصوصاً في القضايا ذات الطابع الوطني أو السياسي والتمييز بينها وبين الجرائم الجنائية العابرة للحدود
ماجد عاروري: تسليم محمود العدرة تم خارج الإطار القضائي ويشكّل تجاوزاً خطيراً يهمّش دور القضاء ويقوّض أسس سيادة القانون ومبدأ الفصل بين السلطات

رام الله - خاص خاص بـ"القدس"-

يتصاعد الجدل في الأوساط القانونية حول تسليم المواطن محمود العدرة إلى السلطات الفرنسية، في خطوة تُطرح حولها تساؤلات قانونية وسياسية تتعلق بمدى توافقها مع القانون الأساسي الفلسطيني الذي يمنع تسليم المواطنين إلى جهات أجنبية، وإمكانية انعكاس الخطوة سياسياً بما قد يفتح الباب أمام حالات مشابهة.
وبحسب خبراء قانونيين ومصادر عائلية، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أكدوا تسليم العدرة إلى فرنسا، تأتي القضية في سياق مذكرة توقيف دولية صادرة عبر الإنتربول، فيما تشير معطيات عائلته ومحاميه وحقوقيون إلى أن العدرة مرّ بسلسلة من الإجراءات.
ووفق الخبراء القانونيين والعائلة، فقد بدأت الإجراءات بحق العدرة باعتقاله في أيلول/سبتمبر 2025، ثم الإفراج عنه بكفالة، قبل إعادة توقيفه، وصولاً إلى ترحيله في 16 أبريل/نيسان 2026 عبر الأردن ثم تسليمه إلى فرنسا، ثم جرى عرضه مباشرة أمام القضاء الفرنسي فور وصوله ليُحتجز على ذمة المحاكمة لمدة عام كامل، في ملف يعود إلى شبهات اتهامات مرتبطة بهجوم في باريس عام 1982، ما يضع القضية في دائرة نقاش قانوني وسياسي أوسع. وبينما تتباين القراءات حول شرعية التسليم وتداعياته، تتزايد التحذيرات من أن يتحول الملف إلى سابقة قانونية ذات أثر مستقبلي، في ظل تداخل واضح بين الاعتبارات القضائية والسياقات السياسية والدبلوماسية المحيطة بالقضية.
ورغم تأكيد العائلة وحقوقيين لـ"ے" عملية تسليم العدرة إلى فرنسا، فإن الجهات الرسمية الفلسطينية لم تعقب على الحادثة حتى الآن، وتترك "القدس" حق الرد بالتأكيد أو النفي للجهات المختصة إثر ذلك.


عائلته تروي التفاصيل التي سبقت التسليم

يوضح بلال العدرة، نجل المواطن محمود العدرة المعروف باسم "هشام حرب"، تفاصيل الساعات والأشهر التي سبقت تسليم والده إلى السلطات الفرنسية، واصفاً ما جرى بأنه مسار غامض رافقته حالة من الإرباك والقلق، وانتهى بتسليمه بصورة مفاجئة ومن دون تمكين العائلة من وداعه.
ويقول بلال: "إن والدي اعتُقل للمرة الأولى من قبل الشرطة الفلسطينية في أيلول/سبتمبر 2025، استناداً إلى مذكرة صادرة عبر منظمة الإنتربول، وبقي داخل السجن مدة تقارب 77 يوماً، قبل أن يُفرج عنه بكفالة نتيجة وضعه الصحي الصعب، حيث أن العائلة اعتقدت حينها أن القضية ستأخذ مجراها القانوني الطبيعي، إلا أن التطورات اللاحقة جاءت بصورة مختلفة".
ويضيف بلال: "إن الشرطة طلبت والدي مجدداً في 25 شباط/فبراير 2026، إلى أحد المراكز الأمنية، وأبلغت العائلة بأن قرار التحفظ عليه جاء لحمايته، دون تقديم أي تفسير واضح لطبيعة هذا الإجراء أو مبرراته، وبعد أيام، وتحديداً في الأول من آذار/مارس، جرى نقله إلى مستشفى (إتش كلينك) حيث بقي هناك بصورة دائمة، فيما ظلت العائلة تتلقى إشارات متضاربة حول ما إذا كان قرار التسليم مطروحاً أم لا".
ويشير بلال العدرة إلى أنه حتى الأسبوع الأخير قبل تسليمه ونقله إلى فرنسا، كانت تصل العائلة تطمينات تفيد بعدم وجود قرار بتسليمه، إلى أن بدأ محاميه يشير إلى وجود خطوات فعلية في هذا الاتجاه.
ويؤكد بلال أن والده اتصل به لاحقاً وأبلغه بأن الجهات المختصة طلبت جواز سفره، وهو ما كانت اعتبرته العائلة مؤشراً واضحاً على قرب تنفيذ التسليم.
ويوضح بلال أن والده نُقل من مقر تابع للشرطة في مدينة الخليل، من دون أن تتاح للعائلة فرصة رؤيته أو وداعه.
ويقول بلال: "اتصل بي والدي صباح الخميس 16 أبريل / نيسان الجاري عند الساعة العاشرة، وقال لي إنه سيتم تسليمه للسلطات الفرنسية، ثم قال: أنا بحبكم كثير وديروا بالكم على حالكم، وأغلق الخط"، مؤكداً أن الشرطة الفلسطينية أبلغت العائلة عند الساعة الثالثة والنصف من عصر الخميس، بتسليمه رسمياً للسلطات الفرنسية من خلال الإنتربول، بعد نقله إلى الأردن ثم نقل بالطائرة إلى فرنسا، أي بعد تسليمه الفعلي بنحو 5 ساعات ونصف.

المحاكمة بدأت في فرنسا

وبحسب إفادته، فإنه في مساء الخميس الماضي نفسه، تلقى بلال اتصالاً آخر من والده من العاصمة الفرنسية باريس، قال فيه إنه وصل إلى هناك وتم تسليمه إلى الشرطة القضائية الفرنسية، بحضور مترجم، وجرى الحديث بينهما لنحو نصف ساعة اطمأن خلالها أفراد الأسرة على وضعه الصحي والنفسي.
ويبيّن بلال أن والده عُرض في اليوم التالي على النيابة الفرنسية، التي قررت احتجازه سنة كاملة إلى حين موعد محاكمته، والتي قال إنها قد تمتد حتى نهاية عام 2027، معتبراً أن إبقاءه محتجزاً طوال هذه المدة "يبدو كأنه حكم مسبق قبل المحاكمة".
ويؤكد بلال أن العائلة ترى أن ما حدث يتعارض مع المادة (28) من القانون الأساسي الفلسطيني، التي تنص على حظر تسليم أي مواطن فلسطيني إلى جهة أجنبية.
ويشير العدرة إلى أن السلطات الفرنسية سبق أن طلبت على خلفية قضية والدي، تسليم ثلاثة أشخاص من الأردن قبل أكثر من ستة أعوام، كما طلبت قبل شهرين شخصاً من الكويت، لكن البلدين رفضا تسليمهم.

مخاوف من انعكاسات سياسية

ويرى بلال أن ما جرى مع والده لا يقتصر على البعد القانوني، بل يحمل انعكاسات سياسية ووطنية أوسع، بأن يكون سابقة تطال مناضلين فلسطينيين آخرين.
ويقول بلال: "إن العائلة تشعر بإحباط وخذلان كبير، خاصة أن والدي من العائدين إلى فلسطين بعد سنوات طويلة في الخارج، وكان جزءاً من المؤسسات الرسمية الفلسطينية بعد عودته".
ويشير بلال إلى أن الخشية الأكبر لا تتعلق فقط بمصير والده، وإنما بإمكانية أن يتحول ما جرى إلى سابقة قد تفتح المجال أمام دول أخرى للمطالبة بتسليم شخصيات فلسطينية تاريخية، قائلاً: "إن فتح هذا الباب قد يفتح باباً خطيراً على البلاد كلها".

معاناة العدرة من مشاكل صحية

وفي حديثه عن الوضع الصحي لوالده، يوضح بلال أن محمود العدرة يبلغ من العمر 73 عاماً، ويعاني من مرض السرطان ومشكلات في القلب والأعصاب، ما يضاعف مخاوف العائلة بشأن ظروف احتجازه وإمكانية حصوله على محاكمة عادلة.
ويستعرض بلال جانباً من سيرة والده، مشيراً إلى أنه من مواليد مدينة يطا جنوب الخليل عام 1955، ودرس الأدب الإنجليزي في العراق، قبل أن يلتحق بالعمل السياسي الفلسطيني في ثمانينيات القرن الماضي، ثم عاد إلى الأراضي الفلسطينية عام 1998، بعد إنهاء ارتباطاته بحركة فتح "أبو نضال" وعودته إلى حضن الحركة الأم، وعمل في جهاز المخابرات الفلسطينية حتى تقاعده عام 2009، مشيراً إلى أنه يسكن في مدينة رام الله وهو متزوج وله خمسة أبناء وبنات وسبعة أحفاد، كما ان زوجته توفيت قبل ثلاث سنوات.

عدم وجود أدلة كافية للاتهام

ويوضح بلال أن فرنسا تتهم والده بالإشراف على خلية مرتبطة بالهجوم على مطعم "جو غولدنبرغ" في باريس عام 1982، لكنه يشدد على أن الملف الفرنسي، الذي قال إنه يقع في نحو 600 صفحة، "لا يتضمن أدلة مادية مباشرة"، بل يستند إلى روايات وشهادات غير حاسمة وغامضة وفضفاضة، كما أن أحد العملاء من أصل فلسطيني ويعمل لصالح المخابرات الفرنسية هو سبب ما جرى بحق والده، الذي ينفي قطعاً كل تلك الاتهامات.

عودة القضية إلى الواجهة قبل أشهر

يؤكد المحامي محمد الهريني، محامي المواطن محمود العدرة، أنه جرت عملية تسليم هشام حرب إلى السلطات الفرنسية وذلك استنادًا إلى مذكرة توقيف دولية صادرة عبر الشرطة الدولية "الإنتربول" منذ عام 2015، بناءً على قرار من قاضي تحقيق فرنسي للاشتباه بضلوعه في عملية استهدفت مقهى إسرائيليًا في باريس عام 1982.
ويوضح الهريني أن المذكرة ذاتها شملت أشخاصًا آخرين، بينهم ثلاثة مقيمين في المملكة الأردنية الهاشمية وآخر في الكويت، إلا أن القضاء في كل من الأردن والكويت رفض طلبات التسليم، استنادًا إلى عدم حمل المطلوبين الجنسية الفرنسية، وغياب اتفاقيات تسليم نافذة بين تلك الدول وفرنسا وقت وقوع الحادثة، إضافة إلى مرور فترة زمنية طويلة على الواقعة.
ويشير الهريني إلى أن تطورات القضية عادت إلى الواجهة خلال عام 2025، حين وصلت رسالة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القيادة الفلسطينية تضمنت أربعة شروط مرتبطة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، كان من بينها تسليم العدرة إلى فرنسا لمحاكمته في القضية ذاتها.
ويلفت الهريني إلى أن وزارة الخارجية الفلسطينية تلقت لاحقًا كتابًا لمتابعة الملف، قبل تحويله إلى وزير العدل بتعليمات رئاسية، ومن ثم إلى النائب العام الذي تقدم بطلب رسمي إلى محكمة صلح رام الله في سبتمبر/أيلول 2025، للنظر في إجراءات التسليم.
ويبيّن الهريني أن المحكمة لم تصدر حتى الآن أي قرار نهائي بشأن التسليم، وكانت قد قررت الإفراج عن العدرة بكفالة، إلى جانب إصدار قرار قضائي يمنعه من السفر خارج الأراضي الفلسطينية، إلا أن الضغوط السياسية استمرت من أجل تنفيذ عملية التسليم، متجاوزة أحكام المادة 28 من القانون الأساسي الفلسطيني التي تحظر تسليم أي مواطن فلسطيني إلى جهة أجنبية.

مؤشرات التسليم بعد طلب إحضار جواز السفر

ويشير الهريني إلى أن السلطة الفلسطينية طلبت من عائلة العدرة ومحاميه قبل يومين من ترحيله إحضار جواز سفره، وهو ما اعتبرته العائلة مؤشرًا واضحًا على قرب تنفيذ القرار، ورفضت ذلك، قبل أن تقوم الجهات المختصة بإصدار جواز سفر بدل فاقد، ثم ترحيله قسرًا في 16 أبريل / نيسان 2026، إلى الأردن رغم قرار منعه من السفر، قبل نقله بطائرة خاصة من مطار الملكة علياء إلى باريس، حيث عُقدت أولى جلسات محاكمته أمام المحكمة الجنائية الفرنسية في 17 نيسان/أبريل الجاري، ومدد توقيفه عاماً كاملاً لاستكمال إجراءات التحقيق بحقه.

تسليم وفق مذكرة سابقة من الإنتربول

يؤكد مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" د. عمار دويك أنه تم تسليم المواطن الفلسطيني محمود العدرة، المعروف باسم "هشام حرب"، إلى السلطات الفرنسية يوم الخميس الماضي، من قبل الشرطة الفلسطينية وفق مذكرة سابقة من الإنتربول، وجرى تمديد توقيفه بعد ذلك لمدة سنة كاملة، بحسب المعلومات التي حصلت عليها الهيئة.
ويؤكد دويك أن تسليم العدرة جاء في إطار "سياق سياسي وصفقة سياسية"، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل تجاوزاً واضحاً للقانون الأساسي الفلسطيني ومساساً مباشراً بحقوق المواطن والسيادة الفلسطينية.

تسليم ضمن شروط سياسية

ويوضح دويك أن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الجانب الفرنسي، وفي ظل الحديث عن الاعتراف بدولة فلسطين، تقدم بجملة مطالب إلى السلطة الفلسطينية كان من بينها تسليم العدرة، مرجحاً أن الدافع الفرنسي في هذه القضية لا ينفصل عن الحسابات السياسية الداخلية في فرنسا.
ويشير دويك إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسعى، من خلال هذا الملف، إلى إظهار توازن سياسي داخلي، بحيث يبدو في الوقت نفسه داعماً للاعتراف بفلسطين وحريصاً على طمأنة الأوساط اليهودية داخل فرنسا بأنه يقف إلى جانبها ويحمي مصالحها.

عدم جواز تسليم أي مواطن لجهات أجنبية

ويؤكد دويك أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال تسليم أي مواطن فلسطيني إلى جهة أجنبية، وفق القانون الأساسي الفلسطيني، شأنه شأن العديد من دساتير العالم، يمنع بشكل صريح تسليم المواطنين، حتى في حال وجود إجراءات قضائية أو مطالبات قانونية خارجية.
ويبيّن دويك أن الخيارات القانونية المتاحة أمام القضاء الفلسطيني في مثل هذه الحالات تقتصر على محاكمة المواطن داخل فلسطين أو تنفيذ أي حكم أجنبي وفق الأطر القانونية المحلية، وليس تسليمه إلى دولة أخرى.
ويصف دويك ما جرى بأنه "صدمة وخيبة أمل"، معتبراً أن القيادة الفلسطينية وضعت حقوق المواطن الفلسطيني في دائرة المساومات السياسية، وتخلت عملياً عن جزء من سيادتها مقابل "اعتراف شكلي".

مخاوف من عدم المحاكمة العادلة في فرنسا

ويبدي دويك مخاوفه من إمكانية عدم حصول العدرة على محاكمة عادلة في فرنسا، رغم استقلالية القضاء الفرنسي، مشيراً إلى أن القضايا ذات الطابع السياسي غالباً ما تتأثر بالمناخ الإعلامي والسياسي المحيط بها.
ويشير دويك إلى أنه اطلع شخصياً على الملف الذي قدمته السلطات الفرنسية، مؤكداً أن ما يتضمنه لا يرقى إلى مستوى الأدلة القوية، وإنما يعتمد بصورة أساسية على شهادات سماعية.
ويرى دويك أن فرص تبرئة العدرة قد تكون كبيرة إذا جرت محاكمته بصورة عادلة، لكنه يحذر في الوقت ذاته من احتمال إطالة أمد القضية لسنوات وتحويلها إلى ورقة قابلة للاستخدام لتحقيق مكاسب سياسية.

مخالفة قانونية صريحة

يعتبر مدير عام مركز القدس للمساعدة القانونية عصام عاروري أن تسليم المواطن الفلسطيني محمود العدرة، المعروف باسم "هشام حرب"، يشكّل "مخالفة قانونية صريحة" تمسّ بشكل مباشر أحكام القانون الأساسي الفلسطيني، وتكشف عن خلل أعمق في منظومة توزيع الصلاحيات داخل النظام السياسي الفلسطيني.
ويوضح عاروري أن ما جرى يتعارض بشكل واضح مع المادة (28) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدّل، والتي تنص على أنه ،"لا يجوز إبعاد أي فلسطيني عن أرض الوطن أو حرمانه من العودة إليه أو منعه من المغادرة أو تجريده من الجنسية أو تسليمه لأي جهة أجنبية"، مؤكداً أن النص "حاسم وغير مشروط وقطعي" ولا يترك أي مجال للتأويل أو الاستثناء.
ويشير عاروري إلى أن هذا الانتهاك يعكس عدم اكتراث بالتقيد بالقانون الأساسي، ضمن سلسلة خروقات باتت تتكرر في المشهد القانوني والسياسي الفلسطيني.
ويلفت عاروري إلى أن هذه التطورات تأتي في ظل غياب ضوابط فعّالة للعلاقة بين السلطات، خصوصاً بعد حل المجلس التشريعي وتوسّع استخدام الصلاحيات التشريعية من قبل السلطة التنفيذية استناداً إلى المادة (43) من القانون الأساسي، التي تُجيز إصدار قرارات بقانون في حالات الضرورة.
ويشدد عاروري على أن هذه المادة نفسها مشروطة بوجود ظروف طارئة لا تحتمل التأخير وبتحقيق المصلحة العامة، وهو ما لا ينطبق على الحالة الحالية.

فشل وقف عملية التسليم

ويلفت عاروري إلى أن محاولات قانونية سابقة لوقف عملية التسليم عبر المحكمة الإدارية الفلسطينية لم تُكلل بالنجاح، إذ رُفضت الطلبات بدعوى عدم وجود قرار واضح بالإبعاد، الأمر الذي أدى عملياً إلى حرمان المواطن العدرة من حقه في اللجوء إلى القضاء في الوقت المناسب. ويعتبر عاروري أن تسريع تنفيذ الإجراء قبل البت القضائي النهائي حرم المتضرر من أي مراجعة قانونية فعالة، وخلق "ضرراً لا يمكن إصلاحه" بعد إتمام عملية التسليم.
ويؤكد عاروري أن ما حدث يكشف أيضاً عن ضعف في آليات الرقابة القضائية، ويعكس نزعة نحو تركيز السلطات بيد السلطة التنفيذية، محذراً من أن غياب التوازن بين السلطات يؤدي عادة إلى "مظاهر استبدادية" تمس ضمانات المحاكمة العادلة والحريات العامة.
ويشير إلى أن الملف قد يكون مرتبطاً بطلب فرنسي قُدم للسلطة الفلسطينية ضمن شروط سياسية تتعلق بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبراً أن ما يجري قد يكون جزءاً من "تجليات غير معلنة" لصفقات سياسية أوسع.
وينتقد عاروري غياب الشفافية في إدارة السياسات العامة، خصوصاً في القضايا المصيرية، قائلاً: "إن قرارات تُتخذ من الأعلى دون وضوح كافٍ للرأي العام بشأن دوافعها أو نتائجها".
ويحذّر عاروري من أن بعض الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، في حال لم تقترن بإجراءات فعلية ضد الاحتلال، قد تبقى ذات طابع رمزي لا يغيّر الواقع السياسي على الأرض، داعياً إلى تعزيز دور القوى السياسية ومنظمة التحرير والمجتمع المدني، لضمان عدم العبث بالحقوق والحريات أو بالخيارات الاستراتيجية الفلسطينية.

العدرة مارس نشاطه خلال مرحلة تاريخية سابقة

يرى أمين سر نقابة المحامين الفلسطينيين والمستشار القانوني المحامي أمجد الشلة أن قضية تسليم المواطن محمود العدرة، المعروف باسم "هشام حرب"، إلى السلطات الفرنسية تثير جملة من الأسئلة القانونية والوطنية المعقدة، في ظل التداخل بين الالتزامات الدولية التي وقعتها دولة فلسطين وبين الضمانات التي كفلها القانون الأساسي الفلسطيني للمواطنين.
ويوضح الشلة أن الحديث يدور عن "مناضل فلسطيني يحمل تاريخاً نضالياً عريقاً"، مشيراً إلى أن العدرة مارس نشاطه السياسي والفدائي خلال مرحلة تاريخية سابقة كانت فيها والفصائل الوطنية الفلسطينية تنتهج أشكالاً متعددة من العمل الوطني، الأمر الذي منح الرجل مكانة وطنية واجتماعية محترمة داخل المجتمع الفلسطيني.

الانضمام للمعاهدات الدولية والخضوع لضوابط قانونية فلسطينية

وفي الجانب القانوني، يشير الشلة إلى أن السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي إطار مساعيها للحصول على اعتراف دولي أوسع بدولة فلسطين، انضمت إلى عدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، من بينها الاتفاقيات المرتبطة بعضوية والتعاون القضائي وتبادل المطلوبين بين الدول الأعضاء.
ويوضح الشلة أن انضمام فلسطين إلى مثل هذه الاتفاقيات قد يرتب التزامات قانونية عليها، تجعلها من حيث المبدأ ملتزمة بما توقع عليه في إطار القانون الدولي.
لكن الشلة يشدد على أن أي إجراء من هذا النوع يجب أن يخضع لضوابط قانونية فلسطينية واضحة، مبيناً أنه إذا صحت المعلومات المتداولة حول صدور قرار قضائي فلسطيني يتعلق بالعدرة، فإن هذا القرار يجب أن يكون قد استكمل درجات التقاضي كافة واكتسب الدرجة القطعية قبل تنفيذ أي خطوة تتعلق بالتسليم.
ويؤكد الشلة أن القانون الأساسي الفلسطيني شدد على حماية المواطن الفلسطيني، ورسخ مبدأ حقه في المحاكمة العادلة داخل وطنه، وهو ما يُفهم منه أن الأصل هو عدم جواز تسليم أي مواطن فلسطيني، خصوصاً في القضايا ذات الطابع الوطني أو السياسي، مع التمييز بينها وبين الجرائم الجنائية العابرة للحدود مثل غسل الأموال أو تهريبها أو الجرائم الجنائية البحتة.

ضرورة متابعة القضية حتى بعد التسليم

ويؤكد الشلة أن مسؤولية دولة فلسطين لا تنتهي عند تنفيذ قرار التسليم، بل تبقى "وطنياً وأخلاقياً وقانونياً" ملزمة بمتابعة القضية مع الجانب الفرنسي، ومراقبة جميع الإجراءات القضائية التي ستتم بحق العدرة، لضمان حصوله على محاكمة عادلة تحفظ حقوقه القانونية والإنسانية.
ويشدد الشلة على أن أي قرار بتسليم مواطن فلسطيني يجب أن يسبقه فحص دقيق لطبيعة الاتفاقيات الموقعة، ومدى تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، وأن لا يتم أي تسليم إلا استناداً إلى قرار قضائي نهائي وقطعي، بما يحفظ هيبة القانون ويحمي حقوق المواطنين الفلسطينيين.

تجاوز خطير للقانون

يعتبر مدير عام الهيئة الأهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون "استقلال" ماجد عاروري أن إجراءات تسليم المواطن الفلسطيني محمود العدرة (المعروف باسم هشام حرب) إلى السلطات الفرنسية تمت خارج الإطار القضائي الطبيعي وبعيداً عن أي قرار صادر عن المحاكم الفلسطينية المختصة.
ويوضح عاروري أن عملية التسليم نُفذت صباح يوم 16 نيسان/أبريل 2026، وذلك قبل انعقاد الجلسة المقررة أمام محكمة صلح رام الله للنظر في طلب الاسترداد، ودون إحضار المواطن العدرة أمام القضاء أو صدور أي حكم قضائي فلسطيني يجيز ذلك، وهو ما يعتبره "تجاوزاً خطيراً" يهمّش دور القضاء ويقوّض أسس سيادة القانون ومبدأ الفصل بين السلطات.

تصادم مع النص القانوني الأعلى

ويشير عاروري إلى أن (استقلال) أصدرت بياناً، أكدت فيه أن تسليم أي مواطن فلسطيني إلى جهة أجنبية يُعد فعلاً محظوراً دستورياً بموجب المادة (28) من القانون الأساسي الفلسطيني، مشددة على أن ما جرى يشكل انتهاكاً مباشراً لهذه الحماية الدستورية، ويدخل في حالة تصادم واضح مع النص القانوني الأعلى، ما يجعل القرار منعدماً وباطلاً من الناحية القانونية.
ويشير عاروري إلى أن المادة ذاتها تنص على عدم جواز إبعاد أي فلسطيني عن أرض الوطن أو حرمانه من العودة أو منعه من المغادرة أو تجريده من الجنسية أو تسليمه لأي جهة أجنبية، معتبرة أن هذه القاعدة الدستورية "آمرة ومطلقة" لا تقبل أي تفسير أو استثناء.
ويقول عاروري: "إن (استقلال) شددت على دعمها لأي مسار قضائي مشروع يمكن أن يلجأ إليه أصحاب الشأن للطعن في هذا الإجراء أمام المحكمة الإدارية المختصة، محذّرة من أن استمرار تهميش القضاء أو الصمت الرسمي إزاء قضايا تمس السيادة الوطنية والحقوق الدستورية من شأنه أن يضعف ثقة المواطنين بمنظومة العدالة ويفتح الباب أمام الإفلات من المساءلة".
ويؤكد عاروري على ضرورة التصدي لأي ممارسات تتجاوز أحكام الدستور أو تهمش سلطة القضاء، مطالباً بفتح تحقيق فوري وشفاف ومستقل لتحديد المسؤولين عن هذا التجاوز، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا