في زاوية من مختبر الأعصاب بجامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس، تنهمك الطالبة سوسانا بدير في مراجعة أدق تفاصيل نتائج أبحاثها العلمية. سوسانا، التي تدرس الطب البشري، لم تكتفِ بالتحصيل الأكاديمي التقليدي، بل جعلت من المختبر بيتها الثاني على مدار ست سنوات متواصلة من البحث والتقصي.
تركزت جهود سوسانا البحثية على دراسة مستقبلات عصبية معقدة في الدماغ تُعرف باسم 'AMPA'. تهدف هذه الدراسات إلى فهم النشاط الحركي لهذه المستقبلات ومدى تأثرها بالمركبات الكيميائية والطبيعية، مما يمهد الطريق لفهم أعمق للاضطرابات العصبية وكيفية معالجتها.
تنحدر سوسانا من مدينة طولكرم، حيث تعيش مع عائلتها المكونة من تسعة أفراد، وتوزع وقتها بدقة بين المحاضرات الجامعية واللقاءات الإرشادية. لم تمنعها كثافة المنهج الطبي من الانخراط في فريق البحث العلمي الذي تأسس في كليتها، بل استثمرت كل فرصة لتطوير مهاراتها البحثية.
خاضت الطالبة الفلسطينية تجربة دولية فارقة حين سافرت إلى الولايات المتحدة للمشاركة في تدريب بحثي بمستشفى 'يو إتش' في كليفلاند. هناك، ركزت دراستها على معلوماتية الصحة وأنظمة التعلم في أورام الإشعاع، وهي تخصصات تفتقر إليها مستشفيات الضفة الغربية بسبب قيود الاحتلال.
أكدت سوسانا أن تجربتها في الخارج كانت مثمرة للغاية، حيث أتاحت لها الاحتكاك بطلاب وخبراء من مختلف دول العالم. وأشارت إلى أن غياب مراكز العلاج الإشعاعي في فلسطين جعل من هذه التجربة ضرورة ملحة لفهم تقنيات علاج السرطان المتقدمة.
بمعدل مبهر في الثانوية العامة بلغ 99.1%، شقت سوسانا طريقها في الطب، لكن شغفها بالخلايا العصبية قادها لنشر نحو 25 بحثاً علمياً. تركزت معظم هذه الأبحاث على مرض الصرع وتأثير الإشارات العصبية، مما جعل اسمها يتردد في المحافل العلمية الدولية.
في مارس الماضي، نشرت سوسانا بحثاً متقدماً تناول كيفية تأثير مركبات كيميائية جديدة على نشاط مستقبلات الدماغ. استخدمت الدراسة تقنيات كهروفيزيولوجية دقيقة لتحليل النشاط العصبي، وخلصت إلى نتائج واعدة قد تساهم في تطوير أدوية جديدة لمرضى الصرع.
لم تقتصر اهتمامات سوسانا على الأعصاب فقط، بل امتدت لتشمل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الطب. فقد شاركت في أبحاث تتعلق بالكشف المبكر عن احتشاء عضلة القلب باستخدام تخطيط القلب، مما يعكس مرونتها في التعامل مع التخصصات الحديثة.
يعتبر مختبر الأعصاب في جامعة النجاح، الذي يحتضن موهبة سوسانا، أول مركز من نوعه في جامعات الضفة الغربية. تأسس المختبر برؤية من الدكتور محمد القنيبي، الذي سعى لغرس ثقافة البحث العلمي لدى طلبة الطب منذ سنواتهم الأولى.
أفادت مصادر أكاديمية بأن فكرة المختبر واجهت في بدايتها تشكيكاً، لكنها اليوم باتت نموذجاً يحتذى به في فلسطين. الدكتور القنيبي، الذي يقطع مسافات طويلة من القدس إلى نابلس يومياً، يرى في سوسانا وزملائها مستقبلاً واعداً للطب الفلسطيني.
وصل عدد الأبحاث المنشورة عالمياً من خلال هذا المختبر إلى 50 بحثاً، وهو رقم قياسي بالنظر إلى الإمكانيات المتاحة. ويؤكد القنيبي أن الأهم من عدد الأبحاث هو الصدى العالمي الذي تحققه، حيث سجلت بعض الأبحاث المشتركة آلاف عمليات التنزيل من قبل باحثين دوليين.
يواجه البحث العلمي في فلسطين عقبات جسيمة، أبرزها عرقلة الاحتلال لدخول المعدات المخبرية الحساسة والمواد الكيميائية اللازمة. كما تؤثر الإغلاقات والاقتحامات المتكررة على استمرارية العمل المخبري، مما يضطر الطلاب أحياناً للجوء إلى التعليم الإلكتروني القسري.
رغم هذه التحديات، يطمح القائمون على المختبر للانتقال إلى مرحلة الدراسات السريرية خلال السنوات الخمس المقبلة. ويسعى الفريق لتجاوز مرحلة التجارب على الحيوانات إلى دراسة النتائج على البشر، وهو طموح يحتاج إلى تمويل ضخم ومعدات متطورة يأملون في توفيرها قريباً.
المصدر:
القدس