د. سعيد سلّام: بسقوط أوربان خسر كل من نتنياهو وترمب ركنا استراتيجياً في قلب أوروبا وليس مجرد حليف في بلدٍ صغير
أمير مخول: سقوط أوربان حليف نتنياهو يشعره بالقلق لأن النموذج السياسي الذي تشاركا فيه قد بدأ يتعرض للاهتزاز
عصمت منصور: سقوط حكم أوربان في المجر قد يشير لإمكانية تكرار السيناريو ذاته في إسرائيل ويؤثر على ثقة نتنياهو بنفسه
خالد العزي: أوروبا تتجه اليوم نحو نهج أكثر استقلالية يقوم على تعزيز وحدتها بعيداً عن الاصطفافات مع أمريكا أو روسيا
هاني الجمل: نتائج الانتخابات تعكس حالة رفض لسياسات أوربان على المستويين الشعبي والسياسي في ظل غياب دعم قوي من حلفائه الدوليين
خاص بـ القدس-
اعترف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان - الذي عرف بتحالفه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو- بهزيمته في الانتخابات العامة، أمام زعيم حزب "تيسا" المعارض بيتر ماغيار، واصفاً نتائج الانتخابات بـ"المؤلمة".
صرخة شعبية مجرية جرفت حكم أوربان
يقول مدير مركز "فيجن للدراسات الاستراتيجية" في أوكرانيا د. سعيد سلّام "لقد سقط فيكتور أوربان، الرجل الذي حكم المجر بقبضةٍ حديدية لـ16 عاماً، أمام منافسه بيتر ماديار وحزبه "تيسا"، في مشهد يبدو للعديد من المراقبين وكأنه نهاية حقبة، إذ أن هذه الهزيمة لم تكن مجرد رقم في صناديق الاقتراع، بل كانت صرخة شعبية جارفة بمشاركة قياسية تجاوزت 79%"، مضيفاً أن أوربان اعترف بـ"هزيمته المؤلمة" بعد أن أطاحت به رياح التغيير التي طالبت باستعادة المسار الأوروبي.
ويضيف سلّام بالنسبة لرئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فإن "سقوط أوربان ليس مجرد خسارة حليفٍ في بلدٍ صغير، بل هو فقدان لـ"ركنٍ استراتيجي" في قلب أوروبا".
ويؤكد سلّام بأن أوربان كان طوال سنواته في السلطة بمثابة "حائط الصد" الذي يحمي نتنياهو من الضغوط الأوروبية، ففي كل مرة كان الاتحاد الأوروبي يقترب فيها من إدانة سياسات الاستيطان أو فرض عقوبات بسبب الحرب في غزة، كان "الفيتو" المجري يتدخل لإنقاذ الموقف.
ويشير إلى أن الانحياز لأوربان بلغ ذروته في نيسان/أبريل 2025، حينما استقبل نتنياهو في العاصمة المجرية بودابست بزيارة رسمية متجاهلاً مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية، بل وأعلن تزامناً مع تلك الزيارة بدء إجراءات انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية، واصفاً إياها بـ"المحكمة السياسية"، في تحد صارخ للقانون الدولي وحمايةً لنتنياهو.
ويبين سلّام "اليوم، أنه مع صعود ماديار و حزب "تيسا"، الذي يطمح لفتح صفحة جديدة مع بروكسل، تجد إسرائيل نفسها أمام واقعٍ جديد، فالمجر التي كانت يوماً ملاذاً سياسياً لنتنياهو، أصبحت أقرب إلى الانصياع للإجماع الأوروبي الذي يصر على حل الدولتين ويرفض السلوك الإسرائيلي، مما يعني أن "الدرع" الذي كان يحمي الاحتلال قد تشقق فعلياً.
ويضيف سلّام أن أوربان كان بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب "أيقونة" اليمين الشعبوي التي يُستلهم منها تجربة الحكم في مواجهة الليبرالية. وقد استثمر ترمب، عبر نائبه جي دي فانس، ثقله السياسي لدعم أوربان وضمان بقائه، معتبراً إياه حجر الزاوية في مشروعه العالمي. إلا أن النتائج جاءت لتنسف هذه الرهانات، فخسارة أوربان تعد ضربة قاصمة للموجة "الترامبية" في أوروبا، وتؤكد أن الشعوب، عندما تُمنح الفرصة الحقيقية، قد تختار مساراً مغايراً تماماً للنماذج التي يحاول الشعبويون تصديرها.
ويشير سلّام إلى أنه خلف الأبواب المغلقة، تكشفت تفاصيل صادمة لسياسة "الازدواجية" التي انتهجتها الحكومة المجرية، إذ كشفت تقارير استخباراتية وتسريبات موثقة أن وزير الخارجية بيتر سيارتو كان يمنح موسكو "خطاً مباشراً" للاطلاع على وثائق الاتحاد الأوروبي السرية، كما عرضت حكومة أوربان تزويد إيران بمعلومات استخباراتية حساسة حول اختراق أجهزة "البيجر" التي استهدفت حزب الله، مما يظهر كيف سعت بودابست لخدمة أعداء حلفائها في الغرب لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.
ويختتم سلّام بالقول "مع أن ماديار يواجه "دولة عميقة" ورثها عن أوربان في القضاء والمؤسسات المالية، إلا أن انتصاره يبقى مؤشراً على أن المعادلات السياسية ليست ثابتة، وأن حتى أكثر القادة "حصانة" قد يجدون أنفسهم يوماً أمام صناديق الاقتراع التي لا ترحم، لتطوى بذلك صفحة من التحالفات التي قامت على المصالح الضيقة، وتُفتح أخرى أكثر غموضاً في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة".
سقوط أوربان يدفع باتجاه إمكانية إحداث تغيير في حكم نتنياهو
يؤكد الباحث في مركز تقدم للسياسات أمير مخول أن أكثر الأطراف قلقاً من سقوط فيكتور أوربان هو بنيامين نتنياهو، على المستويين الشخصي والسياسي، وكذلك على مستوى نمط الحكم الذي يسعى إلى ترسيخه، من خلال تقويض القضاء واستدامة الحرب بهدف البقاء في السلطة.
ويوضح أن سقوط أوربان يمنح أملاً داخل إسرائيل بإمكانية إحداث تغيير في حكم نتنياهو، سواء من قبل المعارضة أو من قوى سياسية أخرى، مشيراً إلى أن ذلك لا يقتصر على المعارضة الحالية فحسب، بل قد يفتح المجال أمام اصطفافات جديدة.
ويضيف مخول أن هذا التطور يبعث أيضاً على القلق داخل معسكر نتنياهو، الذي قد يلجأ إلى اتخاذ تدابير تحول دون تكرار سيناريو السقوط، مستفيداً من الدروس المستخلصة من تجربة أوربان.
ويشير إلى أن ما يميز رئيس الوزراء الجديد في المجر هو طرحه لبديل يقوم على إعادة تموضع بلاده داخل الفضاء الأوروبي، والابتعاد عن السياسات التي كانت تعيق الإجماع الأوروبي، بما في ذلك المواقف المتعلقة بالقضية الفلسطينية والمحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى إعادة تعريف موقع المجر الجيوسياسي.
ويلفت مخول إلى أنه في إسرائيل لا توجد حتى الآن معارضة تقدم بديلاً سياسياً متكاملاً لحكومة نتنياهو، أو تطرح أفقاً سياسياً واضحاً، ويعتبر أن هذا الواقع قد يشكل أحد الدروس التي ينبغي أن تستفيد منها قوى المعارضة، خاصة في ظل تنامي الأمل بإمكانية التغيير بعد فترة من اليأس.
ويوضح أن نتنياهو يشعر بقلق شخصي، ليس فقط بسبب سقوط حليف مباشر له، بل لأن النموذج السياسي الذي اعتمده، والذي تشارك فيه مع أوربان حتى في أدوات إدارة الرأي العام، قد بدأ يتعرض للاهتزاز.
ويشير مخول إلى أن دور مستشاري استطلاعات الرأي في هذا السياق لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى توجيه الرأي العام وصناعته، وهو ما يجعل فشل هذا النموذج ذا دلالة أعمق. ويضيف أن هذا الإخفاق -وإن لم يكن الأول عالمياً- إلا أنه الأقرب إلى الحالة الإسرائيلية، ما يزيد من مخاوف نتنياهو من امتداد هذه التحولات إلى دول أخرى.
ويبين أن الوضع في روسيا يختلف بحكم طبيعة النظام السياسي، إلا أن القلق الأساسي لنتنياهو يتمثل في فقدان دعم أوربان، الذي كان من أبرز المدافعين عنه في مواجهة تداعيات مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.
ويرجّح أن يؤدي هذا التحول إلى إعادة تفعيل الموقف الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية، بما في ذلك طرح مبادرات مثل حل الدولتين، كما سبق أن أشار إليه مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل.
ويؤكد مخول أن نتنياهو يواجه مرحلة سياسية حرجة، لا تعني بالضرورة سقوطه، لكنها تعزز فرص تقوية المعارضة، خاصة إذا نجحت في طرح بديل سياسي واضح يقوم على إنهاء الحروب وتقديم رؤية مختلفة.
مشيراً إلى أن هذه التحولات قد تنعكس أيضاً على السلوك السياسي للفلسطينيين داخل أراضي الـ48، بما في ذلك إعادة طرح فكرة القائمة المشتركة، في ظل تزايد احتمالات التغيير مقارنة بالفترات السابقة، وانتقال هذا التغيير من مجرد شعار إلى إمكانية واقعية.
خسارة أوربان تمنح المعارضة الإسرائيلية دفعة معنوية على حساب نتنياهو
يقول الصحفي المختص بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور أنه في ذروة استعداد بنيامين نتنياهو للانتخابات، وفي ظل وضع مضطرب ونتائج غير حاسمة في المواجهة مع إيران، إضافة إلى مؤشرات على إطالة أمد الحرب، ومع موقف أوروبي يميل إلى النأي بنفسه عن هذه الحرب ويعقد خيارات كل من دونالد ترامب ونتنياهو، إلى جانب أزمتي الشمال وغزة، كان نتنياهو يعول على وجود حليف له في أوروبا.
ويوضح منصور أن هذا الحليف، فيكتور أوربان، يُعد صديقاً شخصياً لنتنياهو وشريكاً أيديولوجياً له، حيث يتبنى كلاهما نهجاً يمينياً شعبوياً متطرفاً، يتسم بالعداء للمؤسسات القضائية والرسمية، وبمحاولة تكبيلها وإضعافها.
ويضيف منصور أن أوربان كان يشكل داعماً أساسياً لنتنياهو داخل أوروبا، من خلال تعطيل قرارات الاتحاد الأوروبي المناهضة لسياسات إسرائيل، واستخدام "الفيتو" لإجهاض أي مواقف داعمة للحقوق الفلسطينية، فضلاً عن اعتراضه على قرارات أو بيانات تنتقد إسرائيل. ويشير إلى أن المجر كانت من الدول القليلة التي أبدت استعداداً لاستقبال نتنياهو رغم ملاحقته أمام العدالة الدولية، ما يعكس مستوى الدعم السياسي الذي كان يحظى به.
ويوضح منصور أن هذه الخسارة لا تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل تمتد إلى البعد المعنوي والأيديولوجي، خاصة أن مستشار استطلاعات الرأي لأوربان هو ذاته الذي يعمل مع نتنياهو، وكان يتوقع فوز أوربان خلافاً لمعظم استطلاعات الرأي، ما يطرح تساؤلات حول دقة الرهانات التي يبني عليها نتنياهو حملته الانتخابية.
ويلفت منصور إلى أن هذا التطور يمنح المعارضة الإسرائيلية دفعة معنوية، ويعزز منسوب الأمل لديها، خاصة في ظل التشابه الكبير بين النموذجين السياسيين، حيث سعى نتنياهو إلى محاكاة تجربة أوربان في الحكم، من خلال تقويض القضاء، وتسييس مؤسسات الدولة، واعتماد سياسات قائمة على الاعتبارات الشخصية والحزبية.
ويؤكد منصور أن سقوط هذا النموذج في المجر قد يشير إلى إمكانية تكرار السيناريو ذاته في إسرائيل، خاصة مع تقارب مدة بقاء الزعيمين في السلطة، ما يعزز فرضية تآكل هذا النمط من الحكم. ويوضح أن مجمل هذه المعطيات تمثل مؤشراً سلبياً بالنسبة لنتنياهو، إذ قد تؤثر على ثقته بنفسه، وعلى الأسس التي قامت عليها حملته الانتخابية، لا سيما في ظل بيئة أمنية وسياسية معقدة ونتائج غير محسومة في أكثر من جبهة.
ويشير منصور إلى أن التحول في الموقف الأوروبي، والابتعاد التدريجي عن سياسات ترامب ونتنياهو، سيؤدي إلى إضعاف موقع نتنياهو بشكل متزايد، سواء على مستوى إدارة الحرب أو في حساباته السياسية الداخلية. ويؤكد أن نتنياهو سيشعر بقلق متصاعد خلال المرحلة المقبلة، في ظل هذه التحولات المتسارعة إقليمياً ودولياً.
مع سقوط أوربان سيصبح من الأسهل دفع إسرائيل إلى تحمل أثمان سياسية
ويقول المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي د. ثائر أبو راس إن إسرائيل تفقد آخر قلاعها في أوروبا، أو آخر حلفائها الأيديولوجيين فيها، مع سقوط أوربان، موضحاً أن ذلك لا يعني أن أوروبا ستصبح قارة معادية كلياً لإسرائيل، ولكن من الممكن أن تتغير السياسة الأوروبية تجاهها إلى حد ما، خاصة أن المجر -وفق نظام الاتحاد الأوروبي- تمتلك حق النقض "الفيتو" في القرارات الكبرى التي تتخذها الدول الأعضاء.
ويشير أبو راس إلى أن المجر كانت، خلال السنوات الأخيرة، تدافع عن حكومات بنيامين نتنياهو في مختلف السياسات التي حاول الاتحاد الأوروبي تبنيها تجاه إسرائيل، ضاربًا مثال ملف الاستيطان، حيث كان هناك رغبة أوروبية منذ فترة بأن تتخذ أوروبا موقفاً أكثر صرامة، أو على الأقل أن تتبنى سياسة معارضة للاستيطان والحركة الاستيطانية الإسرائيلية، سواء عبر فرض عقوبات أو الامتناع عن التعامل مع مؤسسات في المستوطنات التي تتلقى تمويلاً أوروبياً.
ويبين أبو راس أن فيكتور أوربان كان يشكل عادة حجر عثرة أمام تبني مثل هذه السياسات، إلا أنه رحيله وقدوم رئيس وزراء جديد يسعى إلى الاقتراب من الإجماع الأوروبي، سيصبح من الأسهل عملياً دفع إسرائيل إلى تحمل أثمان سياسية قد تتعارض مع مصالحها.
ويلفت إلى تحول آخر يتمثل في تراجع اليمين الشعبوي، حيث يُعد أوربان من أبرز ممثليه عالمياً، إلى جانب بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب، الذين ينتمون إلى التيار ذاته. ويضيف أنه في الفترة الأخيرة، وخاصة بعد عودة دونالد ترامب إلى الحكم، "بدأنا نشهد تراجعاً في مكانة اليمين الشعبوي في الغرب، رغم أنه خلال العقد الماضي شهد صعوداً ملحوظاً نتيجة قضايا الهجرة والتحديات الاقتصادية".
ويتابع أبو راس أنه خلال العام الأخير، وعلى خلفية قضايا مثل أزمة غرينلاند، وتصريحات ترمب بشأن ضمها، إضافة إلى التوترات والحروب في المنطقة، بما في ذلك المواجهة مع إيران التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط والبنزين، بدأ المستهلك الأوروبي يتحمل أعباء اقتصادية متزايدة. مضيفاً أنه لأول مرة منذ عشر سنوات يمكن ملاحظة تراجع في حضور اليمين الشعبوي في أوروبا، رغم التوقعات السابقة التي رجحت وصوله إلى الحكم في دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
ويلفت إلى أن أحزاباً مثل "البديل من أجل ألمانيا" (AfD)، وحزب مارين لوبان في فرنسا، وحزب "ريفورم" في بريطانيا، بدأت تتراجع في استطلاعات الرأي. ويختتم أبو راس بالقول إن خسارة أوربان قد تعكس تحولاً في المزاج العام الأوروبي، من اليمين الشعبوي نحو سياسات أكثر وسطية.
هزيمة أوربان نقطة تحول مهمة لتعزيز مفهوم الاتحاد الأوروبي
يؤكد أستاذ العلاقات الدولية خالد العزي أن سقوط فيكتور أوربان يحمل دلالات كبيرة على مستوى الإطار الأوروبي والعمل الأوروبي المشترك، ويشير إلى أن أوربان -خلال 14 عاماً من قيادته- كان يسعى باستمرار إلى إعاقة العمل الأوروبي الموحد.
ويوضح أن أوربان كان يعرقل عمليات التصويت داخل الاتحاد الأوروبي، ويعمل في كثير من الأحيان بما يخدم المصالح الروسية، نتيجة التحالف الذي نشأ بين روسيا والأحزاب القومية المتطرفة في أوروبا، والتي ينتشر حضورها في دول مثل النمسا وفرنسا والسويد، والذي يُعد أوربان أحد أبرز ممثليها.
ويضيف العزي أن أوربان لم يُخفِ علاقته الوثيقة، التي شكلت جسراً سياسياً بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب، حيث كانوا يشكلون تحالفاً سياسياً داعماً له في مساعيه لتجديد ولايته. ويشير إلى أن علاقاته المتوترة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي كانت ستدفع الاتحاد، في حال فوزه، إلى تعديل آليات اتخاذ القرار، عبر اعتماد التصويت بالأغلبية بدلاً من الإجماع، بهدف الحد من قدرته على التعطيل.
ويوضح العزي أن العديد من القادة الأوروبيين كانوا يشعرون بالتشاؤم نتيجة العراقيل التي فرضها أوربان على عمل مؤسسات الاتحاد، ويلفت إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث في أكثر من مناسبة عن ضرورة إصلاح الاتحاد الأوروبي، وربما إعادة تشكيله، بما يحد من تأثير الدول التي تعيق عمله.
ويؤكد العزي أن هزيمة أوربان تمثل نقطة تحول مهمة لصالح تعزيز مفهوم الاتحاد الأوروبي، حيث ستسهم في تسهيل تدفق الأموال التي كانت معطلة، والتي تُقدر بعشرات الملايين، كما ستؤدي إلى إنهاء حالة الحصار المالي المفروضة على المجر داخل الاتحاد. ويضيف أن هذه التطورات تمثل رسالة أيضاً إلى دول أخرى مثل سلوفاكيا، حيث يواجه قادتها تحديات داخلية، وقد يكونون عرضة لضغوط سياسية أو شعبية مشابهة.
ويوضح العزي أن أوروبا تتجه اليوم نحو نهج أكثر استقلالية، يقوم على تعزيز وحدتها بعيداً عن الاصطفافات مع الولايات المتحدة أو روسيا، وكذلك دون الارتهان لأي أجندات خارجية. ويلفت إلى أن الاتحاد الأوروبي يسعى كذلك إلى مواجهة تنامي التيارات المتطرفة داخله، والتي تحاول إضعاف المشروع الاتحادي وعرقلة قراراته.
وفي هذا السياق، يشير العزي إلى أن تجربة إيطاليا تعد نموذجاً مهماً، حيث وصلت جورجيا ميلوني إلى الحكم من خلفية يمينية متطرفة، لكنها اضطرت إلى التكيف مع متطلبات العمل الأوروبي، وأصبحت أكثر انسجاماً مع السياسات العامة للاتحاد، إدراكاً لأهمية دور أوروبا في استقرار بلادها.
ويوضح أن المؤسسات الأوروبية تدرك أن أي انحراف عن القيم الديمقراطية والليبرالية قد يؤدي إلى تغييرات سياسية داخلية، بما في ذلك إمكانية إجراء انتخابات جديدة تُفضي إلى تغيير القيادة.
ويؤكد أن الاتحاد الأوروبي بذل جهوداً كبيرة لدعم الشعب المجري في مواجهة التيار القومي المتطرف، وهو ما تجلى في النتائج التي أفرزت "زلزالاً سياسياً" قاده حزب معارض تمكن من حصد عدد كبير من المقاعد البرلمانية، ما يتيح له تشكيل الحكومة دون الحاجة إلى ائتلافات معقدة.
ويفيد العزي بأن عدة أطراف دولية حاولت التأثير في المشهد السياسي المجري، من بينها الولايات المتحدة وروسيا، إضافة إلى دعم سياسي من بنيامين نتنياهو لأوربان، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح في تغيير اتجاهات الناخبين. ويختتم بالقول إن الناخب المجري اختار التوجه نحو إعادة تنشيط مؤسسات الدولة وتعزيز الانتماء للاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن الخطاب القومي المتطرف لم يعد مقنعاً في ظل التحديات الراهنة التي تواجه أوروبا.
أوروبا تتجه نحو تعزيز استقلالها الاستراتيجي
يقول نائب مدير مركز تفكير للشؤون السياسية في القاهرة هاني الجمل إن ما حدث يُعد "زلزالاً سياسياً" كبيراً، خاصة أن أوربان كان يُنظر إليه كحليف استراتيجي لعدد من رؤساء الدول ذوي الثقل على الساحة الدولية، مثل الرئيس الأمريكي، والرئيس الروسي، ورئيس وزراء حكومة الاحتلال.
ويوضح أن توجهات أوربان خلال الفترة الماضية، لا سيما في ما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية ودعمه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، شكلت نقطة مفصلية عززت التوقعات بعدم مروره في هذه الانتخابات بشكل آمن.
ويضيف الجمل أن المجتمع الأوروبي كان رافضاً لهذه الحرب، واتخذ من دعم أوكرانيا مساراً أساسياً في سياساته، وهو ما انعكس أيضاً في توجهات الاتحاد الأوروبي خلال هذه المرحلة، حيث بدا واضحاً وجود توجه عام لعدم منح اليمين المتطرف مساحة أوسع في الحكم.
ويشير إلى أن موقفه السلبي من هذه الحرب أدى إلى انقسام في القاعدة التصويتية التي كان يعتمد عليها، ويؤكد أن هذه النتيجة تعكس فشله، ضمن التيار الشعبوي، في تقديم خدمات ملموسة أو ضمان أمن استراتيجي يخدم المصالح الأوروبية.
ويوضح الجمل أن التحولات في العلاقة مع الولايات المتحدة لم تنعكس إيجاباً عليه، كما أن انفتاحه الكبير على روسيا لم يشكل عامل دعم له في هذه الانتخابات، ومن جهة أخرى، لم يعمر أوربان بشكل كافٍ على المستوى الداخلي لكسب الأصوات المتأرجحة، خاصة في ظل ارتفاع نسبة المشاركة الانتخابية إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، ما ساهم في ترجيح كفة خصومه.
ويلفت الجمل إلى أن هذه النتائج تعكس حالة رفض لسياساته على المستويين الشعبي والسياسي، في ظل غياب دعم قوي من حلفائه الدوليين. ويؤكد أن أوروبا تتجه في هذه المرحلة نحو تعزيز استقلالها الاستراتيجي، عبر تقليص الاعتماد على الشراكات التقليدية، سواء مع الولايات المتحدة أو مع روسيا، في ظل تباين المصالح والمواقف داخل الاتحاد الأوروبي.
ويختتم الجمل بالقول إن الأصوات الداخلية كانت العامل الحاسم في هذه الانتخابات، في سياق تحول سياسي يعكس إرادة الناخبين، ويفتح المجال أمام تداول السلطة بما ينسجم مع نبض الشارع الأوروبي.
المصدر:
القدس