مع دخول اتفاق وقف الأعمال القتالية حيز التنفيذ، يبرز مشهد ميداني معقد في جنوب لبنان، حيث لم ينسحب الجيش الإسرائيلي من المواقع التي وصل إليها، بل فرض واقعاً جغرافياً جديداً تتداخل فيه المعطيات العسكرية مع المسارات الدبلوماسية. وتُظهر الخرائط الميدانية أن قوات الاحتلال لا تمتلك خطاً جغرافياً متصلاً، بل تتمركز في جيوب ونقاط متناثرة تتوزع على القطاعات الغربية والوسطى والشرقية بعمق يتفاوت بين محور وآخر.
في القطاع الشرقي، وتحديداً في منطقة الخيام، سجل الجيش الإسرائيلي أعمق نقطة توغل له بمسافة تتراوح بين 9 إلى 10 كيلومترات، وقد تصل في بعض النقاط إلى نحو 12.85 كيلومتراً. أما في قطاع بنت جبيل بالأوسط، فيتراوح عمق التوغل بين 6 إلى 7 كيلومترات، في حين يبلغ العمق في قطاع البياضة الغربي نحو 6 كيلومترات، مما يعكس استراتيجية القضم الجغرافي التي اتبعها الاحتلال خلال العمليات البرية.
وتنتشر في مسرح العمليات خمس فرق عسكرية إسرائيلية، من بينها الفرقة 162 التي تقاتل في محيط بنت جبيل وتضم اللواء 401، والفرقة 98 التي تضم وحدات كوماندوز نخبوية مثل 'أغوز' و'دوفدوفان'. كما تتواجد الفرقة 91 المعروفة بفرقة الجليل قرب محور الخيام، وهي الفرقة التي كانت تاريخياً مسؤولة عن كامل جبهة لبنان من رأس الناقورة غرباً حتى مزارع شبعا المحتلة شرقاً.
وعلى الرغم من هذا الانتشار، تؤكد مصادر عسكرية أن إسرائيل لم تحقق سيطرة فعلية كاملة، إذ تفتقر عملياتها لثنائية 'التثبيت والتطهير'. ففي مدينة بنت جبيل المحاصرة من عدة جهات، لا يزال العشرات من مقاتلي حزب الله يتواجدون بداخلها، مما يحول الوجود الإسرائيلي إلى ورقة تفاوضية قلقة، كما أن السيطرة في الخيام لم تتجاوز 50% بعد الإخفاق في التقدم نحو منطقة دبين.
ويرى خبراء استراتيجيون أن الاحتلال يسعى لتحويل المناطق التي وصل إليها إلى 'منطقة أمنية خالية من السكان' لخلق واقع ديموغرافي جديد يخدم أهدافه الأمنية. هذا التوجه أدى عملياً إلى تجاوز مفاعيل القرار الأممي 1701، وأنهى دور الوساطة الفرنسية الميدانية، حيث تم نقل 'الحافة الأمامية للمعركة' إلى داخل الأراضي اللبنانية بعيداً عن الخط الأزرق.
وفيما يخص الجانب السياسي، ينص الاتفاق الذي أعلنته الخارجية الأمريكية على وقف الأعمال القتالية لمدة أولية تبلغ 10 أيام، تلتزم خلالها إسرائيل بعدم شن هجمات، مقابل اتخاذ لبنان خطوات لمنع العمليات ضد إسرائيل. ومع ذلك، تشير تقارير إلى أن الاتفاق لم يلزم إسرائيل صراحة بالانسحاب الفوري، كما منحها حق 'الدفاع عن النفس' دون نص مماثل للجانب اللبناني، وهو ما يثير تساؤلات حول توازن البنود.
من جانبه، يسعى لبنان الرسمي لاستعادة سيادته وكسر الحصار اللوجستي، حيث بدأت السلطات فعلياً بترميم جسر القاسمية، وهو أحد الجسور الحيوية التي دمرت على نهر الليطاني، لتسهيل عودة مئات الآلاف من النازحين. وفي المقابل، يرفض حزب الله منح إسرائيل 'حرية الحركة' داخل الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي يشرعن استمرار المقاومة بكافة أشكالها.
وتبقى التوقعات بشأن صمود هذه الهدنة رهينة التوافقات الإقليمية والدولية، حيث يرى مراقبون أن البيئة الحالية قد تدفع نحو حلول دبلوماسية طويلة الأمد برعاية أمريكية. ومع ذلك، فإن غياب النصوص الواضحة حول نزع السلاح أو الانسحاب الكامل يجعل من الميدان في جنوب لبنان ساحة مفتوحة على كافة الاحتمالات في حال تعثرت المسارات السياسية اللاحقة.
المصدر:
القدس