تترقب الأوساط الاقتصادية والسياسية في تل أبيب بقلق متزايد نجاح العرائض الشعبية في القارة الأوروبية، والتي تطالب بتعليق اتفاقية الشراكة التي تمثل العمود الفقري للعلاقات التجارية والثقافية والخارجية مع الاحتلال. وقد جمعت هذه التحركات أكثر من 1.1 مليون توقيع من مواطني الاتحاد الأوروبي، احتجاجاً على الأعداد غير المسبوقة من الضحايا المدنيين والدمار الواسع الذي خلفه العدوان المستمر على عدة جبهات.
أفادت مصادر إعلامية بأن هذا التهديد الأوروبي عاد ليفرض نفسه بقوة في أروقة بروكسل، حيث تجاوزت العريضة الشاملة النصاب القانوني الذي يلزم المفوضية الأوروبية بالاستجابة الرسمية لهذا الطلب ومناقشته. وتعد هذه الخطوة نادرة الحدوث، إذ لم تنجح سوى 16 عريضة فقط في الوصول إلى هذا الحد من التوقيعات خلال الأربعة عشر عاماً الماضية، مما يعكس حجم الغضب الشعبي المتنامي.
انطلقت هذه المبادرة، التي تُعرف باسم 'مبادرة المواطنين الأوروبيين'، في يناير الماضي بدعم من أحزاب يسارية في البرلمان الأوروبي، رداً على العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. ويسعى المنظمون حالياً للوصول إلى 1.5 مليون توقيع لضمان تجاوز مرحلة التدقيق والتحقق التي تجريها الآليات المختصة في الاتحاد الأوروبي قبل طرحها للنقاش الرسمي.
تستند العريضة في مطالبها إلى حجم القتل والإصابات غير المسبوق بين المدنيين الفلسطينيين، بالإضافة إلى سياسة التهجير القسري والتدمير الممنهج الذي طال المستشفيات والمرافق الطبية الحيوية. وتتهم الوثيقة الشعبية سلطات الاحتلال بانتهاك القانون الدولي بشكل صارخ، وهو ما يستوجب تفعيل بنود حقوق الإنسان الواردة في اتفاقية الشراكة لتعليقها بشكل فوري.
شهدت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتل أبيب توترات حادة منذ خريف العام الماضي، حيث لوحت المفوضية الأوروبية بتعليق جزئي للعلاقات في مراحل سابقة. ومع ذلك، حالت معارضة دول مثل المجر وإيطاليا وألمانيا والنمسا دون اتخاذ قرار بالتعليق الكامل، حيث شكلت هذه الدول 'كتلة مانعة' داخل الاتحاد حالت دون تحقيق أغلبية الثلثين المطلوبة لاتخاذ إجراءات عقابية.
رغم تراجع القضية مؤقتاً عن جدول الأعمال في فترات سابقة، إلا أن التصعيد الأخير في لبنان وإيران أعاد الزخم للمطالب الأوروبية بفرض عقوبات اقتصادية. وتتصدر دول مثل إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا هذا التوجه، حيث أعلنت عزمها طرح ملف تعليق الاتفاقية مجدداً خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المقرر عقده في لوكسمبورغ.
برز الموقف الإسباني بشكل حاد، حيث كرر رئيس الوزراء الإسباني اتهاماته للاحتلال بانتهاك القانون الدولي مراراً وتكراراً، داعياً بشكل علني إلى قطع العلاقات التجارية. ويحاول القادة في مدريد دفع الاتحاد الأوروبي لاتخاذ موقف أخلاقي وقانوني يتناسب مع حجم الانتهاكات المرصودة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط تساؤلات عن صمود المواقف الداعمة لإسرائيل في دول أخرى.
تشير التقارير إلى تحولات محتملة في مواقف دول كانت تُصنف كحليف وثيق للاحتلال، مثل إيطاليا التي أعلنت رئيستها جورجيا مالوني عدم تجديد اتفاقية التعاون الأمني. هذا التغير في النبرة السياسية يعكس ضغوطاً داخلية وخارجية متزايدة، خاصة مع تصاعد جرائم المستوطنين في الضفة الغربية وتطبيق سياسات استيطانية متطرفة تثير حفيظة العواصم الأوروبية.
دخلت قضايا مثل عنف المستوطنين في الأراضي الواقعة وراء الخط الأخضر، وسياسات الحكومة الإسرائيلية بشأن عقوبة الإعدام للأسرى، ضمن أجندة النقاشات في ألمانيا ودول أخرى. هذه الملفات باتت تشكل عبئاً على الحكومات الأوروبية التي تجد صعوبة متزايدة في تبرير استمرار الشراكة الاقتصادية مع حكومة تضرب بعرض الحائط كافة التحذيرات الدولية.
يرى مراقبون أن تجاهل إسرائيل المتكرر للمواقف الأوروبية الرسمية دفع بروكسل للتركيز على فرض عقوبات مباشرة على المستوطنين والكيانات المرتبطة بهم. ومن المتوقع أن يتم توسيع نطاق هذه العقوبات لتشمل المستوى الجماعي للاتحاد الأوروبي، بدلاً من المبادرات الفردية للدول، مما قد يمهد الطريق لمقاطعة شاملة لمنتجات المستوطنات في الأسواق الأوروبية.
على الصعيد الشعبي، وصلت صورة الاحتلال في القارة العجوز إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وهو ما ترجمته الملايين من التوقيعات والاحتجاجات المستمرة في الميادين الكبرى. هذا الحراك الشعبي لم يعد مجرد تعبير عن الرأي، بل تحول إلى أداة ضغط قانونية وسياسية تهدف إلى تجريد الاحتلال من الغطاء الاقتصادي الذي توفره اتفاقيات الشراكة.
تتخوف الأوساط التجارية الإسرائيلية من أن يؤدي تعليق اتفاقية الشراكة إلى خسائر بمليارات الدولارات، نظراً لأن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك التجاري الأول للاحتلال. إن فقدان المزايا التفضيلية التي توفرها هذه الاتفاقية سيعني فرض رسوم جمركية عالية على الصادرات الإسرائيلية، مما سيفقدها القدرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
تنتظر المفوضية الأوروبية الآن انتهاء عملية التحقق من التوقيعات لتبدأ مساراً قانونياً قد ينتهي بجلسات استماع علنية في البرلمان الأوروبي. هذا المسار سيضع الدول الأعضاء أمام مسؤولياتها القانونية تجاه المعاهدات الدولية التي تنص على احترام حقوق الإنسان كشرط أساسي لاستمرار أي شراكة اقتصادية مع أطراف خارجية.
في الختام، يبدو أن الفجوة بين تل أبيب وبروكسل تتسع بشكل غير مسبوق، مدفوعة بضغط الشارع الأوروبي الذي يرفض تمويل آلة الحرب من خلال التبادل التجاري. إن نجاح عريضة المليون توقيع يمثل نقطة تحول قد تؤدي إلى عزلة اقتصادية دولية للاحتلال، في ظل إصرار حكومته على مواصلة التصعيد العسكري والاستيطاني.
المصدر:
القدس