سجلت الساعات الأخيرة تصعيداً ميدانياً لافتاً في جنوب لبنان، حيث نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي 12 هجوماً متنوعاً في اليوم الثاني لسريان اتفاق وقف إطلاق النار. وتوزعت هذه الاعتداءات بين القصف المدفعي المركز وعمليات تفجير ممنهجة للمباني السكنية، بالإضافة إلى خروقات جوية مكثفة للطيران الحربي والمسير.
وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف المدفعي استهدف منطقة تل نحاس ببلدة كفر كلا، وأطراف بلدتي دير ميماس ودير سريان، وصولاً إلى محيط بلدة القنطرة في قضاء مرجعيون. وتأتي هذه التحركات في ظل حالة من الترقب الحذر التي تسود القرى الحدودية مع استمرار التواجد العسكري الإسرائيلي في بعض النقاط.
وفي سياق متصل، نفذت قوات الاحتلال عمليات تفجير وتدمير واسعة النطاق طالت منازل ومبانٍ في مدينة بنت جبيل، وبلدات مركبا والطيبة والخيام. وتهدف هذه العمليات، بحسب مراقبين، إلى مسح المربعات السكنية القريبة من الحدود وتغيير معالم المنطقة الجغرافية قبل الانسحاب الكامل المفترض.
الخروقات الجوية لم تتوقف أيضاً، حيث حلق الطيران الحربي الإسرائيلي فوق القطاع الشرقي مطلقاً بالونات حرارية، تزامناً مع تحليق منخفض فوق القطاعين الغربي والأوسط. كما رصدت طائرات مسيرة تجوب أجواء قضاء مرجعيون على علو منخفض، مما أثار مخاوف السكان العائدين لتفقد ممتلكاتهم.
من جانبه، أقر الجيش الإسرائيلي بشن عدة هجمات في الجنوب، مدعياً أنها جاءت لـ 'إحباط تهديدات' تعرضت لها قواته ومنع خطر مباشر على بلدات الشمال. واتهم الاحتلال حزب الله بخرق الاتفاق، زاعماً استهداف خليتين وفتحة نفق تحت الأرض كان يتحصن بها عناصر من المقاومة.
وبررت تل أبيب هجماتها بالاستناد إلى بند في الاتفاق يمنحها ما تصفه بـ 'حق الدفاع عن النفس' ضد أي هجمات وشيكة أو جارية. ويعد هذا البند من أكثر النقاط جدلاً في الاتفاق، حيث ترى أطراف لبنانية أن إسرائيل تستغله لتبرير استمرار عملياتها العسكرية رغم وقف الأعمال العدائية.
في المقابل، شدد الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، على أن المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه التجاوزات المستمرة. وأكد قاسم في بيان له أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون متبادلاً وشاملاً، مشيراً إلى أن المقاومين سيبقون في الميدان وأيديهم على الزناد للرد على أي عدوان.
وأوضح قاسم أن الحزب لا يثق بالجانب الإسرائيلي، ولن يقبل بمسار دبلوماسي طويل لا يحقق نتائج ملموسة على الأرض بينما تستمر الخروقات. واعتبر أن بقاء المقاتلين في مواقعهم هو الضمانة الوحيدة لإلزام الاحتلال ببنود الاتفاق ومنعه من التمادي في اعتداءاته.
وبحسب الإحصاءات المتوفرة، فقد ارتفع إجمالي الهجمات الإسرائيلية منذ بدء سريان الاتفاق إلى 23 هجوماً، بعد رصد 11 هجوماً في اليوم الأول. وأسفرت اعتداءات اليوم الأول عن ارتقاء شهيد وإصابة آخرين، مما يضع الاتفاق الهش أمام اختبار حقيقي في أيامه العشرة الأولى.
وتأتي هذه التطورات الميدانية مناقضة للتعهدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صرح بأن إسرائيل ستتوقف عن قصف لبنان. وكان ترامب قد زعم في منشور عبر منصة 'إكس' أن الولايات المتحدة تمنع إسرائيل من مواصلة العمليات العسكرية، وهو ما لم يترجم فعلياً على أرض الواقع.
يذكر أن العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، الذي انطلق في الثاني من مارس الماضي، قد خلف خسائر بشرية ومادية هائلة. ووفقاً لآخر المعطيات الرسمية، استشهد أكثر من 2294 شخصاً وأصيب نحو 7544 آخرين، في واحدة من أعنف جولات الصراع خلال السنوات الأخيرة.
كما تسبب العدوان في نزوح أكثر من مليون لبناني من قراهم ومدنهم، خاصة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. وتواجه الحكومة اللبنانية تحديات جسيمة في تأمين عودة النازحين وإعادة إعمار ما دمرته الآلة العسكرية الإسرائيلية خلال 45 يوماً من القصف المتواصل.
وتشير التقارير إلى أن إسرائيل تواصل نهج الخروقات اليومية الذي اتبعته منذ أكتوبر 2023، رغم الإعلانات المتكررة عن هدن واتفاقات. ويرى محللون أن تل أبيب تسعى لفرض واقع ميداني جديد في جنوب لبنان قبل الالتزام الكامل بأي ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
ويبقى مصير اتفاق وقف إطلاق النار معلقاً بمدى التزام الأطراف بالهدوء خلال الفترة المحددة بـ 10 أيام قابلة للتمديد. وفي ظل استمرار القصف والتحليق الجوي، تزداد الضغوط الدولية والمحلية لضمان عدم انهيار الاتفاق والعودة إلى مربع المواجهة الشاملة.
المصدر:
القدس