آخر الأخبار

أزمة الخبز والجوع في غزة: نقص الدقيق والوقود يهدد النازحين

شارك

تشهد مناطق قطاع غزة اصطفاف آلاف الفلسطينيين في طوابير طويلة لساعات ممتدة أمام المخابز القليلة المتبقية، بحثاً عن كميات محدودة من الخبز الذي صار يمثل شريان الحياة الوحيد لعائلات أنهكها النزوح المتكرر. وتأتي هذه الأزمة المتصاعدة نتيجة النقص الحاد في كميات الدقيق التي تسمح سلطات الاحتلال بدخولها عبر المعابر، بالإضافة إلى الشح الكبير في الوقود اللازم لتشغيل المخابز.

وأفادت مصادر محلية بأن الأزمة تعمقت بشكل ملحوظ عقب قرار 'المطبخ المركزي العالمي' وقف دعمه للدقيق، حيث كان يوفر للقطاع ما بين 20 إلى 30 طناً بشكل يومي. كما قام برنامج الأغذية العالمي بتقليص حصصه الموردة من 300 طن إلى 200 طن يومياً، مما خلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب في ظل اعتماد الغالبية العظمى من السكان على الخبز المدعوم.

ويعتمد معظم الفلسطينيين منذ بدء حرب الإبادة على الخبز الذي توفره المؤسسات الإغاثية الدولية، حيث تباع الربطة زنة 2.5 كيلوغرام بنحو 3 شواكل فقط. وفي المقابل، يصل سعر الكمية ذاتها من الخبز غير المدعوم في الأسواق إلى ما بين 8 و10 شواكل، وهو مبلغ يفوق القدرة الشرائية لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها.

ووصف مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية 'أوتشا' الظروف المعيشية في القطاع بأنها 'مزرية'، مشيراً إلى أن معظم العائلات باتت تعتمد كلياً على المساعدات الشحيحة. وأكدت التقارير الأممية ارتفاعاً مفاجئاً في أسعار السلع الأساسية منذ مطلع مارس الماضي، حيث قفز سعر كيس الدقيق زنة 25 كيلوغراماً من 30 شيكلاً إلى نحو 75 شيكلاً نتيجة ندرة الإمدادات.

من جانبه، أوضح إسماعيل الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي أن تدهور الأمن الغذائي هو نتاج مباشر للقيود الإسرائيلية المشددة على المعابر التجارية والإنسانية. وأشار إلى أن الاحتلال يتعمد تقنين دخول المواد الأساسية لزيادة الضغط المعيشي على السكان، مما أدى إلى عجز المخابز عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات المواطنين اليومية.

وتشير إحصائيات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 1.6 مليون شخص في غزة، أي ما يعادل 77% من السكان، يواجهون مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتضم هذه الفئة المتضررة أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف سيدة حامل ومرضع، مما ينذر بكارثة صحية طويلة الأمد إذا لم يتم تدارك الموقف وتوفير الغذاء اللازم.

وفي شهادة ميدانية، يقول النازح إبراهيم قنديل إنه يضطر لقطع مسافات طويلة يومياً من خيمته في منطقة الرمال للحصول على ربطة خبز واحدة لا تكفي أفراد أسرته التسعة. وأكد قنديل أن الحصول على الخبز بات يتطلب صبراً ومعاناة تفوق طاقة البشر، خاصة مع انعدام السيولة النقدية التي تحول دون قدرة الناس على شراء احتياجاتهم الأساسية.

الجوع أصعب من القصف والحرب، ما نعيشه اليوم كارثة بكل معنى الكلمة.

وحذر قنديل من أن استمرار هذا الوضع ينذر بمجاعة حقيقية تفتك بالنازحين، واصفاً الجوع بأنه 'أشد وطأة من القصف والحرب'. وتعكس هذه الكلمات حالة اليأس التي تسيطر على الشارع الفلسطيني في غزة، حيث أصبح تأمين رغيف الخبز هو الشغل الشاغل للأباء والأمهات وسط غياب البدائل الغذائية الأخرى.

وبحسب المعطيات الرسمية، يحتاج قطاع غزة يومياً إلى نحو 450 طناً من الدقيق لتلبية احتياجات السكان، بينما لا تتوفر حالياً سوى كميات لا تتجاوز 200 طن. هذا العجز الكبير أدى إلى توقف عدد كبير من المخابز عن العمل، واقتصار الإنتاج على عدد محدود جداً لا يغطي سوى جزء يسير من الطلب المتزايد.

وتعمل حالياً نحو 30 مخبزة فقط في عموم القطاع، تنتج قرابة 133 ألف ربطة خبز يومياً، يتم توزيع جزء منها مجاناً والباقي يباع عبر نقاط بيع مدعومة. وحذر المكتب الإعلامي الحكومي من احتمال انهيار ما تبقى من هذه المنظومة الهشة في حال استمر منع دخول الوقود وقطع إمدادات الدقيق من قبل المؤسسات الدولية.

وشدد الثوابتة على ضرورة وجود تحرك دولي عاجل لضمان تدفق المساعدات الغذائية بما يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية في القطاع. وطالب بإلزام الاحتلال بالتفاهمات الإنسانية التي تقضي بإدخال الشاحنات دون عوائق، محذراً من أن سياسة التجويع الممنهجة ستؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا بعيداً عن آلة الحرب العسكرية.

وعلى الرغم من وجود اتفاقات سابقة نصت على إدخال 600 شاحنة يومياً، إلا أن المصادر تؤكد أن إسرائيل لم تلتزم بهذه التفاهمات إطلاقاً. ولم تتجاوز كمية المساعدات التي سمح بدخولها منذ أكتوبر الماضي نسبة 38% مما كان يدخل القطاع قبل بدء العدوان، مما فاقم العجز في كافة القطاعات الحيوية.

وتأتي هذه الأزمة في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية التي خلفت دماراً هائلاً طال 90% من البنية التحتية المدنية في قطاع غزة. وقد أدت العمليات العسكرية المستمرة والحصار المشدد إلى شلل تام في الحياة الاقتصادية، مما جعل السكان يعتمدون بشكل كلي على ما تجود به قوافل الإغاثة الدولية المحدودة.

ختاماً، يبقى رغيف الخبز في غزة رمزاً للصمود والمعاناة في آن واحد، حيث يصارع الفلسطينيون للبقاء على قيد الحياة في ظل ظروف غير إنسانية. وتستمر المناشدات المحلية والدولية لفتح المعابر بشكل كامل وإنهاء الحصار، لإنقاذ ملايين الأرواح من خطر المجاعة الذي بات يطرق أبواب كل خيمة ومنزل في القطاع.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا لبنان إيران أمريكا العراق

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا