نقل الأسير المحرر محمد عبد الرحمن، من منزله في مخيم قلنديا شمال القدس المحتلة، صورة قاتمة لما آلت إليه الأوضاع داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي. وأوضح عبد الرحمن، الذي قضى أكثر من عقد من الزمان في الاعتقالات المتكررة أن تجربته الأخيرة التي بدأت في أكتوبر 2023 كانت الأشد قسوة وتطرفاً في تاريخ الحركة الأسيرة.
أفادت مصادر حقوقية وشهادات ميدانية بأن السياسة المتبعة في السجون شهدت انقلاباً جذرياً بالتزامن مع تولي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير مهامه. ولم يعد التعذيب مقتصرًا على غرف التحقيق المظلمة، بل تحول إلى ممارسة علنية ومستمرة تطال الأسرى في كافة مرافق السجن وعلى مدار الساعة.
روى المحرر محمد تفاصيل تعرضه لكسر في الحوض والقفص الصدري نتيجة الضرب المبرح الذي تعرض له في مراكز توقيف 'عتصيون' وسجن 'مجدو'. وأكد أن السجانين باتوا يستخدمون العصي والمسدسات الكهربائية بشكل عشوائي وانتقامي، مستهدفين المناطق الحساسة من أجساد المعتقلين لإيقاع أكبر قدر من الضرر الجسدي والنفسي.
شهدت السجون الإسرائيلية منذ بدء حرب الإبادة في غزة ارتفاعاً هائلاً في أعداد المعتقلين، حيث تشير البيانات إلى وجود نحو 9600 أسير حالياً. وتؤكد المصادر أن هذه الزيادة ترافقت مع سحب كافة الحقوق الأساسية التي حققها الأسرى عبر عقود من النضال، بما في ذلك الأجهزة الكهربائية والأغطية الكافية.
تحدث عبد الرحمن عن 'مجازر' حقيقية تُرتكب داخل مراكز التحقيق، حيث يتم تعرية مئات الأسرى وضربهم بشكل جماعي لعدة أيام متواصلة. وأشار إلى أن الاحتلال استبدل الوحدات القمعية التقليدية بوحدة 'المتسادا' الأكثر عنفاً، والتي باتت تستخدم الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع داخل الغرف المغلقة.
لم تقتصر الانتهاكات على الجانب الجسدي، بل امتدت لتشمل سياسة التجويع الممنهج وتقليص كميات الطعام إلى مستويات دنيا لا تكفي للبقاء. ويُجبر الأسرى حالياً على تناول وجباتهم الرديئة بأيديهم بعد سحب كافة أدوات الطعام، وفي كثير من الأحيان يُقدم لهم الأكل فوق أكياس القمامة في إمعان للإذلال.
أكدت الشهادات أن الأطفال أو 'الأشبال' لم يسلموا من هذه الإجراءات الانتقامية، حيث ألغى الاحتلال أي تمييز في المعاملة بناءً على السن. ويتعرض الأطفال الفلسطينيون لذات صنوف التعذيب والتنكيل التي يتعرض لها الكبار، في انتهاك صارخ لكافة المواثيق الدولية وحقوق الطفل.
أشارت تقارير نادي الأسير إلى أن عدد الشهداء داخل السجون ارتفع بشكل مقلق ليصل إلى 89 شهيداً منذ السابع من أكتوبر، نتيجة التعذيب والإهمال الطبي المتعمد. ولا يزال الاحتلال يحتجز جثامين عشرات الأسرى الذين قضوا تحت التعذيب، فيما يلف الغموض مصير المئات من معتقلي قطاع غزة.
لعب الغطاء السياسي الذي منحه بن غفير دوراً أساسياً في شرعنة هذه الجرائم، حيث شارك الوزير المتطرف بنفسه في عمليات اقتحام الزنازين. وتفاخر بن غفير عبر منصات التواصل الاجتماعي بالتنكيل بالأسرى، معتبراً أن حرمانهم من أبسط حقوقهم هو جزء من الحرب الشاملة ضد الشعب الفلسطيني.
وصف المحرر محمد كيف تحولت عمليات 'العدد' الصباحي والمسائي إلى حفلات من الضرب الجماعي، حيث يدخل السجانون الغرف مدججين بالسلاح والكلاب البوليسية. وأوضح أن أي محاولة للاعتراض أو طلب العلاج تُقابل بمزيد من القمع والعزل الانفرادي في ظروف لا تليق بالبشر.
في سجن 'مجدو'، يتم إدخال كل أسير بشكل منفرد لمقابلة ضباط المخابرات، حيث يتعرض لضرب مبرح من قبل عشرات السجانين قبل بدء أي حديث. هذه السياسة تهدف، بحسب مراقبين، إلى كسر إرادة الأسرى وتحطيم معنوياتهم قبل خضوعهم للتحقيق أو تحويلهم للاعتقال الإداري.
الاعتقال الإداري بات سيفاً مسلطاً على رقاب الآلاف، حيث يتم تجديد الاعتقال لمرات متتالية دون تهمة واضحة أو سقف زمني للإفراج. محمد عبد الرحمن نفسه جُدد له الاعتقال أربع مرات متتالية، رغم فشل أجهزة الأمن في إثبات أي لائحة اتهام ضده، وهو حال آلاف الفلسطينيين اليوم.
تؤكد المؤسسات الحقوقية أن ما يحدث في السجون هو 'جريمة مكتملة الأركان' تتم بمرافقة وسائل إعلام إسرائيلية أحياناً للتحريض على الأسرى. وقد صادق الكنيست الإسرائيلي مؤخراً على قوانين تزيد من التضييق على الأسرى، بما في ذلك دعم مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.
ختم الأسير المحرر شهادته بالتأكيد على أن الأسرى يعيشون اليوم في عزلة تامة عن العالم الخارجي بعد سحب الراديو والتلفاز ومنع الزيارات. ورغم كل هذا الجحيم، يشدد عبد الرحمن على أن إرادة الأسرى تظل صلبة، رغم الأوجاع والكسور التي تملأ أجسادهم بفعل آلة البطش الإسرائيلية.
المصدر:
القدس