لم تكن لحظة تنسم الحرية للأسير المحرر راغب عليوي نهاية لرحلة العذاب، بل كانت فاتحة لفصل جديد من التغريب القسري بعيداً عن أزقة مدينته نابلس. فبعد عقد من الزمان خلف القضبان، وجد عليوي نفسه مبعداً إلى الأراضي التركية بموجب شروط صفقة تبادل الأسرى التي نُفذت في فبراير 2025، ليواجه واقعاً معيشياً وصحياً معقداً في منفاه.
تتجسد مأساة عليوي في الحرمان من رؤية ابنه طارق، الذي تحول من طفل رضيع إلى فتى يافع خلال سنوات غياب والده، بينما لا تزال سلطات الاحتلال ترفض منح عائلته تصاريح السفر للقائه. وتؤكد زوجته دعاء نعمان أن التواصل الهاتفي بات الوسيلة الوحيدة لترميم ذاكرة العائلة ومشاركة تفاصيل الحياة اليومية التي يحاول الاحتلال تفتيتها.
وفي تركيا، يواجه عليوي تحديات قانونية واقتصادية جمة، حيث يقيم بإقامة سياحية مؤقتة وسط قيود على التنقل بين الولايات، فضلاً عن حاجته الماسة لعملية جراحية في ركبته جراء إصابة تعرض لها داخل السجون. ويزيد انقطاع راتبه منذ ثمانية أشهر من وطأة المعاناة، مما يجعله معلقاً بين آلام الغربة وتكاليف المعيشة المرتفعة.
قصة عليوي ليست معزولة، بل تتقاطع مع معاناة الأسير المحرر عبد المنعم طعمة، الذي أُبعد إلى مصر بعد سنوات طويلة من الاعتقال. ورغم تحرره، إلا أن زوجته وفاء طعمة وطفليهما 'نور' و'ورد' يواجهون منعاً أمنياً مشدداً يحول دون مغادرتهم الضفة الغربية، مما يحول حياتهم إلى سجن كبير داخل حدود الوطن.
وتشير وفاء طعمة إلى أنها خاضت أربع محاولات فاشلة للسفر عبر الجسور، قوبلت جميعها بالرفض القاطع من قبل سلطات الاحتلال بذريعة الملفات الأمنية. هذا الحظر لا يمنعهم من لقاء والدهم فحسب، بل يمتد ليشمل حرمانهم من أبسط حقوق التنقل والسفر لأي غرض آخر، مما يعمق الجرح النفسي لدى الأطفال الذين كبروا بعيداً عن والدهم.
أما الأسير المحرر مجدي عجولي، الذي قضى نحو 33 عاماً في سجون الاحتلال، فيصف حياته في منفاه بمصر بأنها 'قفص ذهبي'. فرغم امتلاكه حرية الحركة خارج الأسوار، إلا أنه يفتقد الجوهر الحقيقي للحرية المتمثل في وجود عائلته وأحفاده التسعة بجانبه، والذين لم يتمكن من احتضانهم منذ سنوات طويلة.
ويعاني المبعدون في مصر من غياب الإقامات الرسمية، مما يعيق قدرتهم على إجراء المعاملات القانونية واليومية الأساسية كشراء سيارة أو فتح حسابات بنكية. كما يشتكي المبعدون من غياب الوضوح بشأن مستقبلهم، في ظل أنباء متضاربة حول إمكانية نقلهم إلى دول أخرى مثل ماليزيا أو البرازيل، مما يبقيهم في حالة انتظار دائم.
من جانبه، يرى قدورة فارس، رئيس هيئة شؤون الأسرى السابق أن سياسة الإبعاد هي أداة استعمارية بنيوية ينتهجها الاحتلال منذ عقود لتفريغ الأرض من رموزها الوطنية. ويؤكد فارس أن الاحتلال يسعى من خلال هذه السياسة إلى كسر روح المقاومة وتشتيت الحاضنة الشعبية والاجتماعية للفلسطينيين عبر تحويل انتصار التحرر إلى منفى دائم.
ويوضح فارس أن هناك تحولاً نوعياً في فلسفة الاحتلال التفاوضية، حيث بات يفرض الإبعاد كشرط مسبق في صفقات التبادل لانتزاع الأسرى من بيئتهم النضالية. ويهدف هذا النهج إلى سلب صفقات التبادل قيمتها المعنوية، وإبقاء المحررين في حالة من عدم الاستقرار المادي والنفسي بعيداً عن وطنهم وأهلهم.
وتعتبر الهيئات الحقوقية أن المنع الأمني الذي يطال عائلات المبعدين يمثل عقوبة جماعية تتنافى مع كافة المواثيق الدولية وحقوق الإنسان. فالاحتلال يتعمد تحويل حق لم الشمل إلى وسيلة للابتزاز، مما يخلق حالة من العزلة الاجتماعية للمبعدين تهدف إلى إضعاف روابطهم الوطنية والاجتماعية بمرور الوقت.
ورغم قسوة الشتات، يظل كسر القيد هو الحدث الأهم في حياة الأسير، حيث يرى فارس أن استعادة حق ممارسة الحياة هو انتصار بحد ذاته. فالحرية، وإن كانت في منفى، تمنح الفلسطيني القدرة على البدء من جديد ومواصلة نضاله بوسائل مختلفة، رغماً عن إرادة السجان التي حاولت تغييبه خلف الجدران.
وتعكس شهادات المبعدين حالة من القلق المستمر بسبب انقطاع الدعم المالي الرسمي منذ عدة أشهر، مما يضطرهم للاعتماد على مدخراتهم الشخصية المحدودة. هذا الوضع المادي المتأزم يضاف إلى الأعباء النفسية الناتجة عن البعد عن الوطن، مما يجعل من تجربة الإبعاد اختباراً قاسياً للصمود والإرادة.
إن المأساة التي بدأت في غرف التحقيق لم تنتهِ بفتح أبواب السجون، بل امتدت لتطرح تساؤلات معلقة حول مصير عشرات العائلات المشتتة بين العواصم. ويبقى الأمل معلقاً على تحركات قانونية ودولية قد تنجح في كسر قيود المنع الأمني وإعادة لم شمل العائلات التي فرقها الاحتلال قسراً.
وفي الختام، تظل قضية المبعدين جرحاً نازفاً في الجسد الفلسطيني، حيث يمتزج فرح التحرر بمرارة الاغتراب. وبينما يواصل المبعدون حياتهم في المنافي، تظل عيونهم وعيون عائلاتهم ترنو إلى اليوم الذي تنكسر فيه حدود الإبعاد، ويجتمع الشمل فوق تراب الوطن الذي ضحوا من أجله بعقود من أعمارهم.
المصدر:
القدس