د. أحمد رفيق عوض: هذه الأحداث ستترك آثاراً سياسية متصاعدة بحيث لن تبقى القرارات السياسية الغربية منحازة بشكل مطلق لإسرائيل كما في السابق
نبهان خريشة: تراكم الصور والشهادات القادمة من الميدان جعل من الصعب على المؤسسات الإعلامية الغربية الكبرى الاكتفاء بسردية واحدة تجاه إسرائيل
نجود القاسم: تعزيز حضور الرواية الفلسطينية في الإعلام الغربي يتطلب عملاً متكاملاً يشمل الأبعاد الإعلامية والسياسية والدبلوماسية لضمان إيصال الحقيقة
د. حسين الديك: هذه الصورة تؤسس لانتقال نوعي من الرواية الرسمية المؤدلجة إلى "العدسة الإنسانية" ولم تعد المعالجة الإعلامية محكومة بالسياقات التقليدية
سليمان بشارات: الخطاب الإسرائيلي بتبرير السلوك بذريعة الاحتياجات الأمنية فقد جزءاً كبيراً من فاعليته في الغرب لتناقضه مع الممارسات على الأرض
نيفين عبد الهادي: الصورة أثارت ردود فعل غاضبة في إسرائيل وأدت لأزمة دبلوماسية مع إيطاليا كون المجلة من أبرز المنصات الصحفية الاستقصائية المؤثرة
رام الله - خاص بـ "القدس"-
لا تزال تداعيات الصورة التي التقطها المصور الإيطالي بيترو ماستروزو في بلدة إذنا غرب الخليل، والتي تظهر المحامية ميعاد أبو الرب في مواجهة مباشرة مع مستوطن مسلح يرتدي زي جندي إسرائيلي، تثير تفاعلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية الغربية بعد نشرها على غلاف مجلة "L’Espresso" الإيطالية، ما يؤكد إحداث اختراق جديد للسردية والرواية الفلسطينية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وإعلاميون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن الصورة لم تعد مجرد توثيق لحظة ميدانية عابرة، بل تحولت إلى مشهد بصري لافت أعاد تسليط الضوء على حجم الانتهاكات التي يرتكبها المستوطنون وجنود الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وفتح نقاشاً أوسع داخل الأوساط الإعلامية الأوروبية.
ويشيرون إلى أن اختيار المجلة الإيطالية لهذه الصورة جاء ضمن تحول تدريجي في زاوية التناول داخل بعض وسائل الإعلام الغربية، التي باتت أكثر انفتاحاً على عرض مشاهد مباشرة من الميدان، بعيداً عن الروايات الرسمية التقليدية التي هيمنت لعقود على تغطية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويُنظر إلى هذا النشر كخطوة تحمل دلالة مهنية تتجاوز البعد الصحفي إلى إعادة صياغة طريقة تقديم القضية الفلسطينية للجمهور الأوروبي.
كسر احتكار الرواية الإعلامية التقليدية
يرى الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن اختراق الصورة الفلسطينية للإعلام الغربي، كما في انتشار صورة الشابة ميعاد أبو الرب، يعكس تحولات عميقة في الوعي الإعلامي والسياسي الغربي، ويؤشر إلى تغيرات جوهرية في السردية السائدة حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويوضح عوض أن أولى هذه الدلالات تتمثل بسقوط السردية الإسرائيلية التي كانت مهيمنة لعقود على الإعلام الغربي والنخب الأكاديمية والجامعات، والتي كانت تقدم إسرائيل بوصفها طرفاً مظلُوماً ومدافعاً عن القيم الغربية، مشيراً إلى أن هذه الصورة تعرضت لتآكل واضح بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تلاها من تطورات.
ويلفت عوض إلى أن التحول الثاني يتمثل في كسر احتكار الرواية الإعلامية التقليدية، نتيجة صعود منصات التواصل الاجتماعي و"صحافة المواطن"، ما أدى إلى تعدد مصادر الحقيقة وتراجع هيمنة المؤسسات الإعلامية الكبرى.
ويشير عوض إلى أن الدلالة الثالثة تتعلق بتغير المزاج العام في الشارع الغربي، حيث أصبح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يُنظر إليه باعتباره قضية تمس القيم الداخلية، ما انعكس على النقاشات العامة والجامعات والمؤسسات السياسية في الغرب.
أحداث ساهمت بتعزيز التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين
ويعتبر عوض أن ما جرى في قطاع غزة والضفة الغربية من أحداث دامية وفظائع إنسانية ساهم في تعزيز التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين، وهو ما انعكس على إعادة تشكيل الصورة الذهنية لدى الجمهور الغربي.
ويؤكد عوض أن هذه الأحداث وما تلاها من التحولات ستترك آثاراً سياسية متصاعدة، بحيث لن تبقى القرارات السياسية الغربية منحازة بشكل مطلق لإسرائيل كما في السابق، متوقعاً تغييرات في مواقف البرلمانات والجامعات ووسائل الإعلام، وصولاً إلى إعادة تعريف صورة الفلسطيني في الوعي الغربي، بعيداً عن ثنائية "الضحية والإرهابي".
انهيار السردية القديمة
ويشير عوض إلى أن هذه التحولات تفسر حالة الغضب الإسرائيلي المتصاعد من انهيار السردية القديمة وتزايد الاتهامات الموجهة لإسرائيل في الغرب، بما في ذلك اتهامات تتعلق بالإبادة الجماعية ومحاولات العزل السياسي والإعلامي لإسرائيل.
ويشدد عوض على أن نشر الصور الإنسانية للفلسطينيين يسهم في تعزيز السردية الفلسطينية، وتحويلها إلى "أيقونة إنسانية" تعكس معاناة شعب يسعى للحرية والكرامة وإقامة دولته، موضحاً أن هذه الصورة بدأت تتشكل بقوة داخل الأوساط الثقافية والإعلامية والفنية الغربية.
ويرى عوض أن الجهود الفلسطينية في هذا المجال ما تزال دون المستوى المطلوب، رغم وجود سفارات وجاليات ووسائل إعلام وشخصيات مؤثرة، داعياً إلى استثمار أكبر في الإعلام والدبلوماسية العامة والتشبيك مع المؤسسات الغربية لتعزيز الرواية الفلسطينية، مؤكداً أن هذا المسار يحتاج إلى قرار وإرادة وإمكانات لمواكبة التحولات الجارية في الرأي العام العالمي.
رمز بصري يعكس تحولات أعمق
يرى الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن الصورة التي التقطها المصور الإيطالي بيترو ماستروزو في بلدة إذنا غرب الخليل، لم تعد مجرد لقطة توثق احتكاكًا يوميًا بين جندي إسرائيلي وشابة فلسطينية، بل تحولت إلى رمز بصري يعكس تحولات أعمق في المزاج الإعلامي الغربي تجاه القضية الفلسطينية.
ويوضح خريشة أن الصورة التي تظهر الشابة المحامية ميعاد أبو الرب في مواجهة مباشرة مع جندي إسرائيلي مبتسم بطريقة استفزازية، لم تُقرأ في السياق الإعلامي الجديد كحادثة فردية عابرة، بل كتكثيف بصري لعلاقة قوة غير متكافئة، تختصر سردية ممتدة من الصراع والمعاناة اليومية في الأراضي الفلسطينية.
ويشير خريشة إلى أن نشر الصورة على غلاف مجلة "L’Espresso" الإيطالية مثّل خطوة لافتة، لا تقتصر على بعدها الصحفي، بل تعكس انزياحًا تدريجيًا في زاوية الرؤية داخل بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كانت تاريخيًا أكثر تحفظًا تجاه نقد إسرائيل.
ويلفت خريشة إلى أن هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للأحداث، لا سيما مع حدوث المجازر في غزة واستمرار سياسات الاستيطان والفصل في الضفة الغربية، وهو ما ساهم في تآكل الرواية الرسمية التقليدية داخل الخطاب الغربي.
توسيع مساحة التغطية للرواية الفلسطينية
ويبيّن خريشة أن تراكم الصور والشهادات القادمة من الميدان جعل من الصعب على المؤسسات الإعلامية الغربية الكبرى الاكتفاء بسردية واحدة تجاه إسرائيل، في وقت أصبح فيه الجمهور أكثر حساسية تجاه التناقض بين القيم الغربية المعلنة مثل الحرية وحقوق الإنسان، وبين السياسات الداعمة لإسرائيل.
ويوضح خريشة أن وسائل إعلام موجهة للنخب بدأت بتوسيع مساحة التغطية للرواية الفلسطينية، ليس فقط بدافع التعاطف، وإنما استجابة لضغط أخلاقي ومعرفي متزايد داخل المجتمعات الغربية، الأمر الذي فرض على غرف الأخبار إعادة النظر في مقارباتها التحريرية التقليدية.
صعود صحافة المواطن
ويتوقف خريشة عند ما وصفه بالعامل الحاسم في هذا التحول، وهو صعود "صحافة المواطن"، حيث لم تعد الصورة أو المعلومة تمر حصريًا عبر المؤسسات الإعلامية، بل بات الفلسطينيون وغيرهم قادرين على توثيق الأحداث وبثها بشكل مباشر عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.
ويعتبر خريشة أن هذا النوع من التوثيق الخام وغير المفلتر يمتلك قوة تأثير عالية، ويجبر الإعلام التقليدي على ملاحقته لتفادي فقدان المصداقية، ما يخلق واقعًا إعلاميًا جديدًا أكثر انفتاحًا وسرعة.
ويشير خريشة إلى أن الاتهام التقليدي بمعاداة السامية، الذي طالما استخدم في مواجهة الانتقادات الموجهة لإسرائيل، بدأ يفقد جزءًا من فعاليته في بعض الأوساط الإعلامية والأكاديمية، نتيجة تزايد وضوح الصور والانتهاكات الموثقة، الأمر الذي جعل من الصعب تفسير كل نقد باعتباره خطاب كراهية.
ورغم هذا التحول، يشدد خريشة على أن تغير المزاج الإعلامي لا يعني بالضرورة حسم المعركة لصالح الرواية الفلسطينية، محذرًا من الاعتقاد بأن عدالة القضية وحدها كافية لتحقيق التأثير الدولي.
الحاجة لأدوات إعلامية احترافية
ويلفت خريشة إلى أن التاريخ يثبت أن القضايا العادلة تحتاج إلى أدوات إعلامية احترافية قادرة على صياغة الرواية وتقديمها للعالم بلغة مؤثرة ومفهومة.
ويشدد خريشة على أن المطلوب فلسطينيًا هو الاستثمار في هذا التحول عبر بناء مؤسسات إعلامية قوية، وتطوير الكوادر القادرة على مخاطبة الرأي العام العالمي، إلى جانب الانخراط الفاعل في الفضاء الرقمي.
ويؤكد خريشة أن صورة واحدة قد تفتح نافذة واسعة، لكنها لا تكفي لصناعة تغيير مستدام دون تراكم واستمرارية ورؤية إعلامية طويلة الأمد تستند إلى المهنية والتأثير.
أهمية الصحافة الحرة والمنحازة للإنسانية
ترى الصحفية نجود القاسم أن الصورة التي نشرتها مجلة L'Espresso لصورة التقطها المصور بيترو ماستورزو، تمثل مؤشراً واضحاً على استمرار التحول في الإعلام الغربي تجاه القضية الفلسطينية، وهو تحول بدأ يتبلور تدريجياً منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة وما رافقها من أحداث "الإبادة الجماعية" على مدار أكثر من عامين.
وتوضح القاسم أن هذا التحول، رغم بطئه الشديد، يحمل دلالات مهمة، أبرزها انحياز بعض وسائل الإعلام الغربية للحقيقة، معتبرة أن ما قامت به المجلة الإيطالية يندرج ضمن الدور الأساسي للصحافة، المتمثل في نقل الوقائع كما هي، بعيداً عن التشويه الذي مارسه الإعلام الغربي لسنوات طويلة لصالح الرواية الإسرائيلية.
وتشير القاسم إلى أن الصورة التي تظهر مستوطناً مسلحاً بزي عسكري في مواجهة فتاة فلسطينية مدنية تعمل في الأرض، تعكس جانباً من الواقع اليومي في الأراضي الفلسطينية، بما يتضمنه من اعتداءات مستمرة على المواطنين وممتلكاتهم، ومحاولات متواصلة لتهجيرهم، مؤكدة أن نشر هذه الصورة يعكس تغطية مسؤولة تستند إلى الميدان لا إلى الروايات الرسمية.
وتبيّن القاسم أن الجدل الذي أثارته الصورة والهجوم الإسرائيلي على الصحفي الذي التقطها، يعكسان أهمية الصحافة الحرة والمنحازة للإنسانية، خاصة تلك التي تعتمد على المشاهدة المباشرة بدلاً من نقل الروايات الجاهزة الصادرة عن المصادر العسكرية والرسمية، والتي غالباً ما يتم تبنيها في الإعلام الغربي دون تدقيق أو تحقق.
وتؤكد القاسم أن التغطية الإعلامية الغربية في بداية الحرب على غزة تبنت إلى حد كبير الرواية الإسرائيلية، سواء من حيث المصطلحات أو المصادر، مع تجاهل السياق الكامل للأحداث، ما أدى إلى تشويه الحقيقة.
خلخلة الهيمنة على الرواية
غير أن الصحفيين الفلسطينيين، رغم الإمكانات المحدودة والمخاطر الكبيرة، نجحوا وفق القاسم، في خلخلة هذه الهيمنة على الرواية، من خلال نقل الصورة من الميدان، ودفع بعض وسائل الإعلام الغربية إلى مراجعة تغطيتها، ولو بشكل محدود.
وتلفت القاسم إلى الدور الحاسم الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في هذا التحول، حيث ساهمت في كسر احتكار الإعلام التقليدي، ونقلت الصور والفيديوهات مباشرة إلى العالم، ما أسهم في تحريك الرأي العام الدولي الرافض للحرب على غزة وما يجري في الضفة الغربية.
وتؤكد القاسم أن هذا التغير، رغم أهميته، لا يزال محدوداً ومتفاوتاً، إذ تواصل غالبية وسائل الإعلام الغربية تبني الرواية الإسرائيلية، الأمر الذي ينعكس سلباً على مصداقيتها وموضوعيتها.
ومع ذلك، تشير القاسم إلى أن بعض المنصات الإعلامية نجحت في إحداث ثغرة في جدار التحيز، من خلال تقديم روايات بديلة تسلط الضوء على معاناة الفلسطينيين.
وتؤكد القاسم أن تعزيز حضور الرواية الفلسطينية في الإعلام الغربي لا يقتصر على الجهد الإعلامي فقط، بل يتطلب عملاً متكاملاً يشمل الأبعاد السياسية والدبلوماسية، لضمان إيصال الحقيقة إلى الرأي العام العالمي بشكل أوسع وأكثر تأثيراً.
تحول بنيوي في السردية الغربية تجاه القضية الفلسطينية
يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د. حسين الديك أن نشر مجلة L'Espresso لصورة التقطها المصور بيترو ماستورزو لا يمثل جدلاً إعلامياً عابراً، بل يعكس تحولاً بنيوياً في السردية الغربية تجاه القضية الفلسطينية، ويؤشر إلى تفكك القوالب التقليدية التي حكمت التغطية الإعلامية لسنوات طويلة.
ويوضح الديك أن هذه الصورة تؤسس لانتقال نوعي من الرواية الرسمية المؤدلجة إلى "العدسة الإنسانية"، حيث لم تعد المعالجة الإعلامية محكومة بالسياقات السياسية والأمنية التقليدية، بل باتت تنقل اختلال موازين القوة بشكل بصري مباشر، عبر مشهد يجسد مواجهة غير متكافئة بين جندي إسرائيلي وفتاة فلسطينية مدنية، بما يعكس المعاناة اليومية للفلسطينيين، خصوصاً النساء.
ويشير الديك إلى أن الصورة كسرت اللغة الإعلامية "المحايدة والمركبة"، واستبدلتها بخطاب بصري أخلاقي يضع المتلقي، وخاصة الأوروبي، أمام حقيقة ما يجري على الأرض، معتبراً أن هذا التحول يعزز ما يمكن تسميته بـ"الصحافة البصرية الأخلاقية" التي تتجاوز التبرير السياسي نحو المساءلة الإنسانية.
ويلفت الديك إلى أن اختيار مجلة "ليسبريسو" – المعروفة بتوجهها النخبوي وتركيزها على التحقيقات – لهذه الصورة كغلاف، يعكس انتقال القضية الفلسطينية من الهامش إلى مركز النقاش داخل النخب الأوروبية، وليس فقط في الشارع العام، مشيراً إلى وجود استعداد مؤسسي لتحمل كلفة سياسية مقابل نشر هذه الحقائق.
ويبيّن الديك أن هذا التطور يتقاطع مع تغير أوسع في المزاج الأوروبي، يتمثل في تصاعد التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين، وتزايد الانتقادات للسياسات الإسرائيلية داخل الأوساط السياسية والأكاديمية والإعلامية، إضافة إلى بروز جيل أوروبي شاب أقل ارتباطاً بالسرديات التقليدية الداعمة لإسرائيل.
مشهد موثق بلا إنسانية
ويوضح الديك أن الصورة تحمل دلالات رمزية عميقة، من بينها تصوير المعاناة الفلسطينية كـ"مشهد موثق بلا إنسانية"، حيث يظهر المستوطن المسلح مبتسماً في مقابل مدني أعزل، ما يخلق صدمة أخلاقية لدى المتلقي، ويعزز قوة الصورة كأداة تفوق في تأثيرها التصريحات الدبلوماسية.
ويؤكد الديك أن هذه التحولات تفسر حالة الغضب الإسرائيلي، نتيجة كسر احتكار السردية، وتآكل الصورة الأخلاقية التي طالما روجت لها إسرائيل في الغرب، إلى جانب المخاوف من اتساع هذا النمط من التغطية إعلامياً.
ويعتبر الديك أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز الرواية الفلسطينية عبر الدبلوماسية الرقمية الشعبية، داعياً إلى استثمار وسائل التواصل الاجتماعي لبناء رأي عام عالمي ممتد من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية وآسيا، في إطار معركة شرعية إعلامية يتوقع أن تميل كفتها لصالح الفلسطينيين.
تراجع الرواية الإسرائيلية
يرى الصحفي والكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن إسرائيل، في مرحلة ما بعد الحرب على قطاع غزة، تواجه مأزقاً عميقاً يتعلق بقدرتها على تسويق صورتها التقليدية في الغرب، خاصة تلك التي طالما قدمت الجندي الإسرائيلي بوصفه حامياً للأمن والاستقرار ومدافعاً عن القيم الإنسانية.
ويوضح بشارات أن هذه الصورة للشابة ميعاد أبو الرب وهي تتعرض لاستفزاز من مستوطن مسلح جاءت بعد عمليات قتل واسعة بحق الفلسطينيين أدت إلى تراجع الرواية الإسرائيلية التي كانت تروج لنفسها باعتبارها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن هذا الخطاب لم يعد مقنعاً كما في السابق لدى المجتمعات الغربية.
ويشير بشارات إلى أن أحد أبرز التحولات يتمثل في حدوث انزياح قيمي داخل المجتمعات الأوروبية، التي باتت تميل بشكل متزايد إلى مناصرة المبادئ التي قامت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، مثل حقوق الإنسان والعدالة، في مقابل عملية الهدم الممنهجة التي تمارسها إسرائيل بحق هذه القيم من خلال سياساتها في الأراضي الفلسطينية.
ويلفت بشارات إلى أن الخطاب الإسرائيلي القائم على تبرير السلوك تحت ذريعة الاحتياجات الأمنية فقد جزءاً كبيراً من فاعليته في الغرب، في ظل تصاعد التناقض بين هذا الخطاب والممارسات على الأرض، الأمر الذي خلق حالة من التوتر داخل المجتمعات الغربية بين القيم المعلنة والواقع السياسي.
الدور المتنامي لوسائل الإعلام البديلة
ويعتقد بشارات أن الدور المتنامي لوسائل الإعلام البديلة ومنصات التواصل الاجتماعي أسهمت في كسر هيمنة القنوات التقليدية التي كانت تخضع لتأثيرات لوبيات وإمبراطوريات إعلامية، موضحاً أن هذه المنصات أوجدت حالة من التحرر في الخطاب والمضمون، وأتاحت وصولاً أوسع للمعلومات والصور من الميدان.
ويبيّن بشارات أن هذا التحول في مصادر المعرفة أسهم في رفع مستوى الوعي لدى المواطن الأوروبي، ما انعكس على تراجع قدرة إسرائيل على التأثير في الرأي العام أو إقناعه بروايتها، مؤكداً أن ذلك يصب بشكل مباشر في صالح القضية الفلسطينية، ويعزز حضورها في النقاشات العامة.
انعكاس على مراكز صنع القرار
ويتوقع بشارات أن تنعكس هذه التحولات مستقبلاً على مراكز صنع القرار، خاصة مع صعود أجيال جديدة أكثر إدراكاً لطبيعة الصراع، ما قد يؤدي إلى تغيرات تدريجية في المواقف السياسية الغربية الداعمة لإسرائيل.
ويرى بشارات أن إسرائيل تدرك حجم الأزمة التي تواجهها، وتسعى إلى إعادة ترميم صورتها من خلال ضخ استثمارات كبيرة في المجال الإعلامي، إلا أن هذه الجهود لن تنجح في استعادة المكانة السابقة، في ظل التحولات العميقة والمتسارعة في الوعي الغربي تجاه القضية الفلسطينية.
نحو مزيد من الدعم للرواية الفلسطينية
تؤكد الكاتبة نيفين عبد الهادي وهي مديرة تحرير في صحيفة الدستور الأردنية أن التحول المتزايد في المزاج الأوروبي، سياسياً وإعلامياً، تجاه القضية الفلسطينية لم يعد يمكن تجاهله، مشيرة إلى أن هذا التغير يتجه نحو مزيد من الدعم للرواية الفلسطينية، مقابل تراجع واضح في التعاطي التقليدي المنحاز لإسرائيل، وهو ما تعكسه أحداث إعلامية بارزة، من بينها نشر صورة غلاف في مجلة L'Espresso.
وتوضح عبد الهادي أن هذا التحول، رغم أنه لا يزال متواضعاً وبطيئاً، إلا أنه يمثل خطوة متقدمة في مسار إعادة تشكيل الوعي الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية، معتبرة أن ما يجري يفتح المجال أمام مساءلة متزايدة للاحتلال الإسرائيلي، بعد سنوات طويلة من غياب النقد أو محدوديته في الخطاب الغربي.
وتؤكد عبد الهادي أن الصورة التي التقطت في الضفة الغربية المحتلة، والتي تصدرت غلاف المجلة الإيطالية، تمثل مثالاً واضحاً على هذا التحول، حيث أثارت ردود فعل غاضبة في إسرائيل، وأدت إلى أزمة دبلوماسية مع إيطاليا، بالنظر إلى أن المجلة تُعد من أبرز المنصات الصحفية الاستقصائية المؤثرة في الأوساط النخبوية الأوروبية.
صورة تلخص جانباً من الواقع اليومي
وتبيّن عبد الهادي أن الصورة، التي تُظهر جندياً إسرائيلياً يبتسم أثناء تصويره لفتاة فلسطينية بهاتفه، تلخص جانباً من الواقع اليومي في الأراضي الفلسطينية، وتعكس بشاعة ممارسات الاحتلال، مشيرة إلى أن قوة الصورة تكمن في قدرتها على اختزال واقع كامل ونقله إلى الرأي العام العالمي بشكل مباشر ومؤثر.
وتؤكد عبد الهادي أن الإعلام يُعد من أهم الأدوات القادرة على تغيير الوعي العام وإعادة تشكيل المواقف السياسية، لافتة إلى أن التحول الحالي في الخطاب الإعلامي العالمي يساهم تدريجياً في دعم الرواية الفلسطينية وكشف "الأكاذيب الإسرائيلية" التي هيمنت على المشهد الإعلامي الغربي لعقود طويلة.
وتشير عبد الهادي إلى أن هذا التغير، وإن كان محدوداً، بدأ ينعكس على حضور القضية الفلسطينية في بعض وسائل الإعلام الدولية، حيث باتت أكثر انفتاحاً على تناول الوقائع الميدانية ونقل معاناة الفلسطينيين، وهو ما يسهم في إعادة تشكيل الرأي العام الغربي تجاه الاحتلال.
الحقيقة الفلسطينية تحتاج إلى حماية ورعاية
وتشدد عبد الهادي على أن الحقيقة الفلسطينية تحتاج إلى حماية ورعاية إعلامية مستمرة، داعية إلى تطوير سردية فلسطينية واضحة ومقنعة ومدعومة بالوسائل الإعلامية الحديثة، بما في ذلك الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي، لضمان استمرار حضورها عالمياً.
وتؤكد عبد الهادي أن الفلسطينيين تمكنوا خلال السنوات الأخيرة من كسر جزء من الحواجز الإعلامية عبر جهود إعلامية وثقافية ودبلوماسية، مشيرة إلى أن استمرار هذا المسار بات ضرورة لتعزيز الرواية الفلسطينية وجعلها الرواية السائدة، مقابل تراجع الروايات الإسرائيلية إلى موقع الاستثناء في الخطاب الدولي.
المصدر:
القدس