آخر الأخبار

استشهاد الأسير مروان حرز الله وسميح عليوي: وجع نابلس في سجون

شارك

لم تعد زنازين الاحتلال الإسرائيلي مجرد أماكن لاحتجاز الحرية، بل تحولت إلى ما تصفه المؤسسات الحقوقية بـ 'مقابر للأحياء'، حيث يواجه الأسرى الفلسطينيون فصولاً غير مسبوقة من سياسة الإعدام البطيء. وفي قلب هذا المشهد المأساوي، تبرز حكاية عائلتي عليوي وحرز الله من مدينة نابلس، كواحدة من أكثر القصص الإنسانية تجسيداً لواقع الحركة الأسيرة المرير.

تشاركت العائلة إرث الفقد الذي ضرب أركانها مرتين في غضون عام واحد، فبعد استشهاد الأسير سميح عليوي، عاد الموت ليخطف ابن شقيقته الأسير مروان حرز الله البالغ من العمر 50 عاماً. ولم تشفع لمروان قدمه المبتورة نتيجة إصابة قديمة، حيث فارق الحياة في سجون الاحتلال بعد أيام قليلة من اعتقاله في يناير الماضي، لتضاف غصة جديدة إلى قلب العائلة المكلومة.

يروي فتحي حرز الله، ابن شقيق الشهيد أن عمه لم يكن يعاني من أمراض مزمنة قبل اعتقاله، وكان يمارس حياته وعمله في هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية بشكل طبيعي. وأكد أن اعتقال مروان في الثامن من يناير الماضي بتهمة التحريض كان مفاجئاً وصادماً، خاصة وأنه كان يتمتع بحضور عائلي لافت وقرب شديد من أبناء إخوته.

تنحدر عائلة حرز الله من مخيم العين غرب نابلس، حيث خاض الشهيد تجربة الاعتقال الأولى خلال الانتفاضة الكبرى في ثمانينيات القرن الماضي وأمضى نحو 5 سنوات. وبعد تحرره، التحق بقوات الأمن الوطني الفلسطيني قبل أن ينتقل للعمل في قطاع الإعلام الرسمي، ليقضي بقية حياته مكافحاً من أجل عائلته المكونة من سبعة أطفال.

وصف فتحي لحظة تلقي خبر استشهاد عمه بأنها صدمة قاسية لم تكن متوقعة، خاصة في ظل انقطاع المعلومات الحقيقية عن وضعه الصحي داخل سجن 'مجدو'. وأشار إلى أن العائلة اضطرت لمواجهة الخبر الفاجع عند ساعات الفجر الأولى، مما أدى إلى حالة من الانهيار التام بين زوجته وأبنائه الذين كانوا ينتظرون حريته.

حتى اللحظة، لم تتسلم العائلة أي تقرير رسمي يوضح أسباب الوفاة التي حدثت في الثالث والعشرين من يناير الماضي، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ظروف استشهاده. وتسود حالة من القلق الشديد في ظل الأنباء الواردة عن الأوضاع المخيفة داخل السجون، والتي تفتقر لأدنى معايير الرعاية الصحية أو الرقابة الحقوقية.

الجرح يبدو أكثر عمقاً لدى المسنة سمر عليوي 'أم أسامة'، التي لم تتعافَ بعد من صدمة استشهاد شقيقها سميح حتى فجعت بابنها مروان. وتقول بمرارة إن جرحها لا يزال مفتوحاً ولم يلتئم، حيث استشهد الاثنان في ظروف متشابهة وتحت وطأة القيد ذاته، مما يجعل الألم مضاعفاً وغير قابل للنسيان.

الزنازين تحولت إلى مقاصل صامتة، حيث يقتل الأسير الفلسطيني عبر هندسة الموت التي تتبناها إدارة السجون تحت غطاء سياسي وقانوني.

ما يثقل كاهل 'أم أسامة' اليوم ليس فقط رحيل الشهيدين، بل مصير حفيدها تحرير نجل الشهيد مروان، الذي لا يزال يقبع في سجون الاحتلال. وتخشى العائلة أن يكون الشاب البالغ من العمر 22 عاماً لم يعلم بعد بنبأ استشهاد والده، وهو ما يضيف بعداً مأساوياً آخر لمعاناة هذه العائلة النابلسية.

من جانبها، كشفت سجود ابنة الشهيد سميح عليوي أن والدها كان يعاني من أوضاع صحية معقدة قبل اعتقاله، شملت فتقاً في المعدة وكتلة يشتبه بأنها ورم. وأكدت أن اعتقاله في تلك الحالة كان يشكل خطراً مباشراً على حياته، خاصة وأنه كان بحاجة ماسة لإجراء عملية جراحية وفحوصات طبية دورية انقطعت تماماً خلف القضبان.

أشارت سجود إلى أن الأيام الأخيرة في حياة والدها كانت غامضة للغاية، حيث انقطعت أخباره ولم يتمكن المحامون من الوصول إلى أي معلومة حول حالته. وتؤكد إفادات الأسرى المحررين أن الشهيد سميح تعرض لضرب مبرح أدى لكسر في كتفه، دون أن تقدم له إدارة السجون أي نوع من العلاج أو المسكنات.

أفادت مصادر من نادي الأسير الفلسطيني بأن استشهاد عليوي وحرز الله يأتي ضمن منظومة متكاملة من السياسات الممنهجة التي تستهدف تدمير الأسرى جسدياً ونفسياً. وأوضحت المصادر أن ما يحدث ليس مجرد حالات وفاة عارضة، بل هي عمليات تصفية جسدية تتم تحت غطاء سياسي وقانوني رسمي من قبل سلطات الاحتلال.

تتنوع أدوات القتل داخل السجون بين الإهمال الطبي المتعمد، والتعذيب الجسدي الممنهج، وسياسة التجويع التي تؤدي إلى انهيار المناعة والوظائف الحيوية. وتؤكد التقارير الحقوقية أن 'هندسة الموت' المتبعة تهدف إلى تحويل الإصابات البسيطة إلى أسباب مؤدية للوفاة عبر المماطلة القاتلة في تقديم العلاج اللازم.

تشير الإحصائيات الرسمية إلى ارتفاع عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى 326 شهيداً منذ عام 1967، من بينهم 89 شهيداً ارتقوا في المرحلة التي تلت السابع من أكتوبر. وتؤكد المصادر أن هذه الأرقام الموثقة قد تكون أقل من الواقع الفعلي في ظل التعتيم المطبق الذي تفرضه مصلحة السجون على أعداد الضحايا.

يحيي الفلسطينيون يوم الأسير هذا العام تحت شعارات تندد بقوانين الإعدام والإبادة الجماعية التي تمارس بحق المعتقلين، في وقت يقبع فيه نحو 9600 أسير في ظروف قاسية. وتظل حكاية عائلة عليوي وحرز الله شاهداً حياً على حجم التضحيات والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في مواجهة آلة القمع المستمرة.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا لبنان إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا