اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، باحات المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة صباح اليوم الأحد، تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال والقوات الخاصة. وتأتي هذه الخطوة الاستفزازية في ظل انتشار أمني مكثف لشرطة الاحتلال التي أمنت مسار الاقتحام للمستوطنين، مما أثار موجة غضب فلسطينية واسعة اعتبرت الحادثة تدنيساً متعمداً للمقدسات.
وأفادت مصادر ميدانية بأن بن غفير أدى صلوات تلمودية وشارك في طقوس غنائية عند مصلى قبة الصخرة ومنطقة البائكة الغربية، في تحدٍ صارخ للوضع التاريخي القائم. ويعد هذا الاقتحام هو السادس عشر لبن غفير منذ توليه حقيبة الأمن القومي، والثالث له منذ مطلع العام الجاري 2026، مما يعكس إصراراً على تغيير الواقع الديني في المسجد.
من جانبه، صرح بن غفير من داخل باحات المسجد قائلاً: 'نشعر اليوم بأننا أصحاب المكان، وما زال أمامنا الكثير لنفعله ونُحسّنه هنا'، في إشارة واضحة لمساعي حكومة الاحتلال لفرض السيادة الكاملة على الأقصى. وتزامنت هذه التصريحات مع قيام مجموعات من المستوطنين بأداء طقوس استفزازية تهدف إلى تكريس التقسيم الزماني والمكاني بين المسلمين واليهود.
وفي رد فعل رسمي، وصفت الرئاسة الفلسطينية الاقتحام بأنه 'انتهاك صارخ' للوضع القانوني والتاريخي للمسجد الأقصى، محذرة من تداعيات هذا التصعيد الخطير على الأمن والاستقرار في المنطقة. وأكدت الرئاسة أن المسجد الأقصى بكامل مساحته البالغة 144 دونماً هو حق خالص للمسلمين وحدهم، ولا سيادة للاحتلال على أي جزء من مدينة القدس.
وطالبت السلطة الفلسطينية المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ موقف حازم يلزم سلطات الاحتلال بوقف إجراءاتها الأحادية في القدس المحتلة. وأشارت إلى أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياسة ممنهجة لتهويد المدينة المقدسة وتغيير معالمها العربية والإسلامية، داعيةً الأطراف الدولية لتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه حماية المقدسات.
بدورها، دعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) جماهير الشعب الفلسطيني إلى شد الرحال والرباط في المسجد الأقصى لإفشال مخططات الاحتلال التهويدية. وقالت الحركة في بيان لها إن تكرار اقتحامات بن غفير يعكس دعماً كاملاً من حكومة الاحتلال للجماعات الاستيطانية المتطرفة التي تسعى لهدم الأقصى وبناء الهيكل المزعوم مكانة.
وشددت حماس على أن هذه الاعتداءات لن تغير من حقيقة هوية المسجد، بل ستزيد من إصرار الفلسطينيين على الدفاع عن مقدساتهم بكل الوسائل المتاحة. كما طالبت الأمتين العربية والإسلامية بالتحرك الجاد والضغط على الاحتلال لإرغامه على وقف تدنيس الحرم القدسي الشريف، مؤكدة أن القدس ستبقى محور الصراع وقبلة المقاومة.
وعلى الصعيد الميداني، شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة شملت 18 فلسطينياً من مناطق متفرقة بالضفة الغربية والقدس، من بينهم رائد زغير، مسؤول قسم النظافة بالمسجد الأقصى. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة 7 فلسطينيين برصاص الاحتلال خلال مواجهات اندلعت في بلدة الرام والظاهرية ونابلس تزامناً مع التوتر في العاصمة المحتلة.
وفي سياق التضييق على المقدسيين، أجبرت سلطات الاحتلال المواطن محمود الطويل على هدم منزله ذاتياً في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، تحت تهديد الغرامات الباهظة. وتأتي هذه السياسة ضمن محاولات الاحتلال المستمرة لتفريغ المدينة من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني الذي تسارع وتيرته في الآونة الأخيرة.
من جهتها، أدانت وزارة الخارجية الأردنية الاقتحام واصفة إياه بـ 'العمل الاستفزازي المدان'، مؤكدة رفض المملكة المطلق لمحاولات تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف. وشدد البيان الأردني على أن إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى هي الجهة الوحيدة صاحبة الاختصاص الحصري في إدارة شؤون الحرم وتنظيم الدخول إليه.
وتشير الإحصائيات إلى تصاعد وتيرة العنف الإسرائيلي في الضفة والقدس منذ أكتوبر 2023، حيث استشهد 1148 فلسطينياً وأصيب أكثر من 11 ألفاً آخرين. كما بلغت حالات الاعتقال رقماً قياسياً بتجاوزها 22 ألف حالة، مما يشير إلى قبضة أمنية حديدية يحاول الاحتلال فرضها بالتوازي مع الاقتحامات المتكررة للمقدسات.
ويأتي هذا التصعيد في وقت لا تزال فيه المنطقة تلملم جراحها بعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في فبراير الماضي، والتي استمرت 40 يوماً. ويرى مراقبون أن الاحتلال يحاول استغلال الظروف الإقليمية الراهنة لتسريع وتيرة تهويد القدس وفرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
ومنذ عام 2003، تواصل شرطة الاحتلال تسهيل اقتحامات المستوطنين للأقصى رغم المعارضة الشديدة من دائرة الأوقاف الإسلامية والمجتمع الدولي. إلا أن وتيرة هذه الانتهاكات أخذت منحى تصاعدياً خطيراً منذ تولي اليمين المتطرف مقاليد الحكم في إسرائيل، حيث بات الوزراء يشاركون علانية في اقتحام المسجد وأداء الطقوس فيه.
ختاماً، يبقى المسجد الأقصى ساحة مواجهة مفتوحة بين إرادة الفلسطينيين المرابطين وبين مخططات الاحتلال الرامية للسيطرة الكاملة عليه. وتؤكد الفعاليات الشعبية في القدس أن الدفاع عن الأقصى هو واجب وطني وديني لا يمكن التنازل عنه، مهما بلغت التضحيات أو زادت حدة القمع الإسرائيلي في المدينة المقدسة.
المصدر:
القدس