آخر الأخبار

العدوان الإسرائيلي على لبنان ومستقبل الهدنة الإقليمية 2026

شارك

لم يكد يجف حبر إعلان اتفاق الهدنة الذي توسطت فيه باكستان لوقف المواجهة الإسرائيلية الأمريكية مع إيران لمدة أسبوعين، حتى سارع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو للتنصل من الالتزامات الدولية. وأكد نتنياهو أن هذا الاتفاق لا ينسحب على الجبهة اللبنانية، في خطوة اعتبرت تحدياً صريحاً للإعلان الباكستاني الذي شمل 'جميع الجبهات'.

وترجم جيش الاحتلال هذا الموقف السياسي إلى تصعيد ميداني دامي، حيث شنت الطائرات الحربية سلسلة غارات وصفت بأنها الأعنف منذ عقود. واستهدفت الهجمات المتزامنة نحو مئة موقع في الأراضي اللبنانية، مما أسفر عن ارتقاء مئات الشهداء وإصابة أكثر من ألف جريح وفقاً لبيانات رسمية صادرة عن وزارة الصحة اللبنانية.

وتشير القراءات السياسية إلى أن الكيان الإسرائيلي يسعى من خلال هذا التفجير العسكري الواسع إلى إفشال الاتفاق الإقليمي أو فرض أمر واقع جديد. ويهدف هذا التوجه إلى فصل الملف اللبناني تماماً عن أي تهدئة مؤقتة مع طهران، لضمان استمرار العمليات العسكرية ضد قوى المقاومة في الجنوب.

وقد أثار هذا السلوك الإسرائيلي موجة من الذهول الدولي، تجسدت في تصريحات غير مسبوقة لوزير الدفاع الباكستاني الذي وصف الاحتلال بأنه 'لعنة على البشرية'. وانتقد الوزير الباكستاني ارتكاب جرائم إبادة جماعية في لبنان في الوقت الذي تحتضن فيه بلاده محادثات تهدف لإرساء السلام في المنطقة.

من جانبه، اتسم الموقف الأمريكي بالتناقض المعهود، حيث ادعى دونالد ترامب في البداية أن لبنان خارج إطار التهدئة المتفق عليها. إلا أن الضغوط الدولية والتهديدات الإيرانية باستئناف العمليات العسكرية دفعت واشنطن لمطالبة نتنياهو بخفض التصعيد، وهو ما قوبل بوعود إسرائيلية هشة بتخفيف وتيرة العمليات دون التزام كامل.

وتستند الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه لبنان إلى اعتباره 'حديقة خلفية' ومجالاً حيوياً لتأمين المستوطنات الشمالية في فلسطين المحتلة. وتاريخياً، حاول الاحتلال فرض هذا المنطق عبر اجتياحات متكررة وإنشاء شريط حدودي عام 1978، قبل أن يضطر للاندحار تحت ضربات المقاومة في عام 2000.

لكن التحولات التي أعقبت عملية 'طوفان الأقصى' دفعت حكومة الاحتلال لتغيير عقيدتها الأمنية بشكل جذري تجاه الجبهة الشمالية. وانتقل التفكير العسكري من مبدأ الردع بالتهديد إلى 'الردع بالتدمير'، عبر تنفيذ ضربات استباقية تهدف للقضاء على القدرات العسكرية للمقاومة قبل تحولها إلى خطر داهم.

الاحتلال انتقل من استراتيجية الردع بالتهديد إلى الردع بالتدمير الشامل عبر الاستهداف الاستباقي ومحاولة فرض الهيمنة على البيئة الاستراتيجية المحيطة.

ويعزز هذا التوجه المتطرف طبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تُعد الأكثر تشدداً في تاريخ الكيان نتيجة تحالف الليكود مع الصهيونية الدينية. وتتبنى هذه الحكومة عقلية إلغائية لا تقيم وزناً للقوانين الدولية أو الاعتبارات الإنسانية، مدفوعة بما يسمى 'إغواء القوة' والغطاء العسكري الأمريكي اللامحدود.

وفي ظل استحالة نزع سلاح المقاومة عبر الأدوات السياسية أو الضغوط الداخلية اللبنانية، يتخذ الاحتلال من هذا الملف ذريعة لاستباحة السيادة اللبنانية. ويسعى نتنياهو لجعل لبنان ساحة مفتوحة للعدوان الدائم، محاولاً فرض معايير أمنية تخدم مصالح الاحتلال وتتدخل في منظومة الحكم الداخلية للدولة اللبنانية.

وتبرز في الأفق أربعة مستويات محتملة للتدخل العسكري الإسرائيلي، تبدأ من الاكتفاء باستباحة الأجواء وضرب الأهداف المنتقاة كما حدث في الفترات السابقة. أما المستوى الثاني فيتمثل في محاولة السيطرة على مرتفعات استراتيجية بعمق يصل إلى كيلومترين عن خطوط الهدنة الحالية لتعزيز الرقابة الميدانية.

ويتمثل السيناريو الثالث في محاولة فرض شريط أمني بعمق يصل إلى 5 كيلومترات لمنع أي وجود مسلح للمقاومة بالقرب من الحدود. بينما يذهب السيناريو الرابع والأكثر خطورة نحو توسيع السيطرة لتشمل جنوب نهر الليطاني بعمق يصل إلى 30 كيلومتراً، وهو ما يتطلب حرباً برية واسعة النطاق.

ورغم أن السيطرة على جنوب الليطاني توفر نظرياً 'عمقاً أمنياً'، إلا أنها تضع جيش الاحتلال أمام معضلة السيطرة على كتلة بشرية معادية وواسعة. وهذا المسار سيعطي مشروعية أكبر للعمل المقاوم ويؤدي إلى استنزاف عسكري واقتصادي هائل للاحتلال، فضلاً عن الرفض الدولي الواسع لمثل هذه الخطوة.

داخلياً، يواجه المجتمع الإسرائيلي انقساماً حاداً تجاه هذه الخيارات، فبينما تؤيد الأغلبية إبعاد المقاومة عن الحدود، تخشى كتلة كبيرة من تداعيات الحرب الطويلة. وتتزايد المخاوف من تحول الكيان إلى بيئة طاردة للسكان والاستثمارات في حال الدخول في حرب إقليمية شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

وفي الخلاصة، يبدو أن نتنياهو سيواصل المناورة لتجنب أي تسويات تؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار في لبنان ما لم يحقق أهدافه المستحيلة. وهذا يتطلب تحركاً لبنانياً وعربياً ودولياً حازماً لفرض شمول لبنان في أي تهدئة إقليمية، وقطع الطريق على طموحات الاحتلال في الهيمنة على السيادة اللبنانية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا