لم تتوقف آلة الدمار في قطاع غزة عند استهداف الأبنية السكنية والبنية التحتية فحسب، بل امتدت لتطال شرايين الحياة اليومية ووسائل النقل الأساسية. فقد تحولت عشرات آلاف المركبات إلى هياكل متفحمة وركام متناثر في الشوارع، مما يعكس انهياراً مركباً يفاقم الأزمات المعيشية والبيئية للسكان المحاصرين.
وأفاد المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات، أنيس عرفات، بأن التقديرات الرسمية تشير إلى تضرر ما بين 70% إلى 80% من إجمالي المركبات المسجلة في القطاع. وأوضح أن هذه النسبة تعني خروج عشرات الآلاف من السيارات عن الخدمة من أصل أكثر من 80 ألف مركبة كانت تعمل في غزة قبل اندلاع العدوان.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن حجم الاستهداف كان مباشراً ومنهجياً، حيث تعرضت مئات السيارات للحرق الكامل نتيجة القصف الجوي والمدفعي. كما قامت دبابات الاحتلال بسحق أعداد كبيرة من المركبات المركونة في الشوارع، محولة إياها إلى كتل معدنية مشوهة تعيق الحركة المرورية وتثقل كاهل المواطنين.
هذا الدمار الواسع لم يتوقف عند الخسارة المادية فحسب، بل أدى انتشار الحطام في الطرقات إلى شلل شبه كامل في عدد من المحاور الرئيسية بمدينة غزة. وقد حاولت الجهات المختصة بالتعاون مع البلديات تنفيذ عمليات إزالة محدودة لفتح الطرق، إلا أن هذه الجهود تواجه عقبات لوجستية وميدانية كبيرة.
ويؤكد عرفات أن غياب المساحات المخصصة لتجميع حطام المركبات يمثل تحدياً كبيراً أمام الطواقم الفنية في ظل الاكتظاظ السكاني الحاد. وتُعطى الأولوية حالياً لتوفير مساحات كافية لإيواء مئات آلاف النازحين، مما يجعل من الصعب تخصيص أراضٍ لتجميع 'سكراب' السيارات التالفة.
وأدى التكدس غير المنظم لهذه الهياكل المعدنية في الشوارع ومناطق النزوح إلى خلق أزمات بيئية مستحدثة لم تكن موجودة من قبل. فقد بدأ السكان، نتيجة غياب خدمات النظافة، بإلقاء النفايات داخل هذه الهياكل المتفحمة، مما حولها إلى نقاط جذب للمخلفات ومصدراً للتلوث البصري والبيئي.
وتتقاطع هذه الأزمة مع واقع بيئي متدهور أصلاً في القطاع، حيث تتراكم أطنان النفايات في محيط مراكز الإيواء نتيجة منع الوصول إلى المكبات الرئيسية. ويحذر مختصون من أن استمرار هذا الوضع يضاعف من خطورة المشهد الصحي ويهدد بانتشار أوبئة يصعب السيطرة عليها في ظل انهيار المنظومة الطبية.
وحذر المتحدث باسم وزارة النقل من أن هذه المركبات المحطمة تحولت إلى بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات الضارة كالبعوض والبراغيث. وتزيد هذه الكائنات من احتمالات انتقال الأمراض المعدية بين النازحين، خاصة في المخيمات المكتظة التي تفتقر لأدنى مقومات الصرف الصحي والنظافة العامة.
وتتعزز هذه المخاوف مع صدور تحذيرات صحية رسمية من تفشي أمراض مرتبطة بتلوث المياه وانتشار القوارض بين الخيام. ويجد السكان، ولا سيما الأطفال، أنفسهم في مواجهة مباشرة مع مخاطر صحية متزايدة، في وقت تفتقر فيه الجهات المحلية للمعدات والمواد اللازمة لمكافحة هذه الآفات.
وفي ظل هذا الشلل التام في قطاع النقل، اضطر سكان غزة للاعتماد على بدائل بدائية ووسائل تنقل متهالكة لقضاء حوائجهم اليومية. ويشكل تدمير منظومة المواصلات جزءاً من الأزمة الإنسانية الشاملة التي تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لإدخال المعدات اللازمة لإزالة الركام والحد من تداعيات الكارثة البيئية.
المصدر:
القدس