أعاد مقتل الجندي ماهر خطّار، المنحدر من مجدل شمس في الجولان السوري المحتل، تسليط الضوء على ملف شائك يتعلق بوجود جنود غير يهود في صفوف جيش الاحتلال. وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة لكونها تأتي من منطقة يرفض أغلب سكانها الهوية الإسرائيلية، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول اختراق المؤسسة العسكرية لشرائح اجتماعية كانت تُصنف تاريخياً ضمن دوائر الرفض والمقاومة.
يعتمد جيش الاحتلال في تركيبته البشرية على استراتيجيات متنوعة لدمج الأقليات، تتراوح بين التجنيد القسري والاستقطاب المبني على الحاجة الاقتصادية. ولا يعكس هذا التنوع نموذجاً ديمقراطياً للاندماج، بل هو نتاج سياسات أمنية تهدف إلى خلق تمايزات داخل المجتمع غير اليهودي، وفصله عن محيطه العربي والإسلامي عبر مؤسسة الجيش التي تعد العمود الفقري للدولة.
تعتبر الطائفة الدرزية الحالة الأبرز في هذا السياق، حيث فرضت سلطات الاحتلال التجنيد الإلزامي على شبابها منذ عام 1956. وقد ترافق هذا القرار مع إجراءات مؤسسية هدفت إلى عزل الدروز قومياً ودينياً، من خلال الاعتراف بهم كمجموعة منفصلة وإنشاء محاكم دينية خاصة بهم، فيما عُرف لاحقاً بسردية 'تحالف الدم' التي تروج لشراكة مصيرية بين الأقليات.
رغم السردية الرسمية، واجه التجنيد الإلزامي معارضة تاريخية بدأت منذ عهد الشيخ أمين طريف، واستمرت عبر حراكات شبابية معاصرة مثل 'أرفض، شعبك بيحميك'. وتؤكد هذه الحراكات أن الانخراط في الجيش ليس خياراً وطنياً، بل هو نتيجة ضغوط مادية وسياسية، ووعود بحماية الأراضي من المصادرة، وهي وعود غالباً ما يتم نكثها لصالح التوسع الاستيطاني.
في الجولان المحتل، يختلف المشهد جذرياً حيث يرفض الدروز هناك التجنيد الإلزامي ويتمسكون بهويتهم السورية كأداة صمود. ومع ذلك، تشير تقارير حديثة إلى محاولات إسرائيلية حثيثة لاستقطاب الجيل الجديد عبر التطوع الطوعي، وهي ظاهرة لا تزال محدودة وتواجه بنبذ اجتماعي واسع، لكونها تمس الثوابت الوطنية والقومية لأهالي الهضبة المحتلة.
أما الأقلية الشركسية، فتخضع هي الأخرى للتجنيد الإلزامي منذ عام 1958، ضمن سياسة 'الأقليات الموالية' التي تتبعها إسرائيل مع المجموعات غير العربية. ويتركز وجود الشركس في قريتي كفر كما والريحانية، حيث يتم دمجهم في الوحدات القتالية بصمت، بعيداً عن الجدل السياسي الصاخب الذي يحيط بتجنيد الفئات العربية الأخرى داخل الأراضي المحتلة.
بالانتقال إلى المجتمع البدوي، نجد أن الخدمة العسكرية تأخذ طابعاً طوعياً، حيث يتم استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة والتهميش الممنهج في النقب لدفع الشباب نحو الجيش. وتعتمد إسرائيل على خبرة البدو الجغرافية في وحدات 'قصاصي الأثر' وكتائب الاستطلاع الصحراوية، مما يجعل خدمتهم مرتبطة بوظيفة أمنية محددة أكثر من كونها اندماجاً سياسياً كاملاً.
يعاني البدو الذين يخدمون في الجيش من تناقض صارخ؛ فبينما يرتدون الزي العسكري، تواجه قراهم في النقب عمليات هدم مستمرة وعدم اعتراف رسمي. هذا الواقع يولد شعوراً بالاغتراب، حيث تُستخدم خدمتهم كأداة دعائية للدولة في المحافل الدولية، بينما يُحرمون من أبسط حقوق المواطنة والأمان على أراضيهم التاريخية التي تُصادر لصالح المستوطنات.
في العقدين الأخيرين، كثفت سلطات الاحتلال جهودها لاستقطاب المسيحيين الفلسطينيين عبر حملات دعائية تهدف لعزلهم عن هويتهم العربية. وتحاول هذه الحملات الترويج لفكرة أن المسيحيين أقلية مهددة تحتاج لحماية الدولة، وهو توجه واجه معارضة شديدة من الكنائس والقيادات الوطنية التي رأت فيه محاولة لتمزيق النسيج المجتمعي الفلسطيني.
تظل نسب انخراط المسيحيين في الجيش ضئيلة جداً رغم كل الإغراءات والمحاولات الرسمية لتغيير المناهج التعليمية أو خلق قيادات دينية بديلة تدعم التجنيد. ويرى مراقبون أن هذا الفشل يعود إلى تجذر الوعي الوطني لدى المسيحيين الفلسطينيين، وإدراكهم أن المؤسسة العسكرية هي الأداة الأولى للقمع والتهجير الذي طال جميع أبناء الشعب الفلسطيني.
إن 'سردية الأقليات' التي تحاول إسرائيل تسويقها تهدف بالأساس إلى إظهار الدولة كواحة للتعددية، بينما تظل الحقيقة مرتبطة ببنية تمييزية جوهرية. فالجندي غير اليهودي، مهما بلغت رتبته العسكرية، يظل محكوماً بسقف قانوني وسياسي يمنحه 'المواطنة الأمنية' لكنه يحرمه من المساواة القومية التي يكرسها 'قانون القومية' العنصري.
تؤدي المؤسسة العسكرية دوراً مركزياً في صياغة الهوية الإسرائيلية، ومن هنا تأتي خطورة دمج الأقليات فيها كأداة لـ 'الأسرلة' القسرية. فمن خلال الزي العسكري، تسعى الدولة لإعادة تعريف الفرد بعيداً عن انتمائه الأصلي، ووضعه في مواجهة مباشرة مع أبناء شعبه، مما يخلق جروحاً اجتماعية غائرة يصعب التئامها في المستقبل.
تشير التحولات الجارية إلى أن الصراع على الهوية داخل هذه المجتمعات لم يحسم بعد، رغم عقود من التجنيد الإلزامي أو الطوعي. فالحراكات الرافضة للخدمة العسكرية تتزايد، والوعي بالحقوق التاريخية والسياسية يتنامى، مما يجعل من 'تحالف الدم' المزعوم مجرد غطاء هش لسياسات السيطرة والاحتواء الأمنية.
في الختام، يظل ملف غير اليهود في جيش الاحتلال مرآة لتعقيدات الصراع في فلسطين المحتلة، حيث تتقاطع المصالح الفردية مع الضغوط السياسية. وبينما تحاول إسرائيل تحويل هؤلاء الجنود إلى 'حرس حدود' لهويتها اليهودية، يبقى الانتماء الوطني والظروف المعيشية القاسية عوامل تدفع نحو إعادة تقييم هذه العلاقة المتوترة مع مؤسسة الاحتلال.
المصدر:
القدس