أفادت تقارير صحفية دولية بأن منطقة جنوب لبنان، وتحديداً نهر الليطاني، لا تزال تشكل محوراً مركزياً في العقيدة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي. ولا يرتبط هذا الاهتمام بالعمليات العسكرية الجارية فحسب، بل يعود إلى تصور استراتيجي طويل الأمد يمزج بين الجغرافيا والأمن والموارد المائية.
وتشير المصادر إلى أن الاحتلال ينظر إلى الليطاني كحاجز طبيعي مثالي يمكنه العمل كخط دفاع متقدم لحماية المستوطنات الشمالية. ويأتي هذا التوجه في ظل قناعة لدى القيادة العسكرية بأن الحدود الحالية باتت هشة أمام تطور قدرات حزب الله العسكرية وشبكاته القتالية المتجذرة.
إن الطرح المتكرر لإنشاء منطقة عازلة تمتد حتى مجرى النهر يعكس رغبة في إعادة صياغة الواقع الحدودي بشكل دائم وليس مؤقتاً. ويرى صناع القرار في تل أبيب أن ضمان الأمن يتطلب إبعاد التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة إلى ما وراء هذا الخط الجغرافي.
وتميل السياسة الإسرائيلية الحالية نحو اعتماد نهج استباقي يقوم على نقل ساحة المعركة إلى داخل الأراضي اللبنانية. ويتم الترويج لهذا النهج تحت ذريعة منع تعاظم قوة الخصم، مما يبرر توسيع العمليات العسكرية حتى في فترات الهدوء النسبي.
وحذرت المصادر من أن الدعوات المستمرة لإخلاء المناطق الواقعة جنوب الليطاني قد تؤدي إلى عمليات تهجير قسري وتغيير ديمغرافي خطير. هذا التحول قد يفتح الباب أمام صراع بنيوي يتجاوز المواجهات العسكرية المباشرة إلى أزمات إنسانية وقانونية دولية.
ولا يغيب البعد المائي عن الحسابات الاستراتيجية للاحتلال، حيث يُنظر إلى مياه الليطاني كمورد حيوي في منطقة تعاني من شح المياه. ولطالما كانت الموارد المائية محركاً خفياً للنزاعات في الشرق الأوسط، مما يجعل النهر هدفاً مزدوجاً (أمنياً ومائياً).
ورغم التفوق العسكري الواضح، إلا أن الاحتلال يصطدم بواقع اجتماعي وعسكري معقد في الجنوب اللبناني. فحزب الله يمثل جزءاً من النسيج المحلي، مما يجعل محاولات فرض ترتيبات أمنية خارجية أمراً محفوفاً بالمخاطر وقد يؤدي لنتائج عكسية تماماً.
وتستحضر القراءات التحليلية تجربة الاحتلال السابقة في جنوب لبنان بين عامي 1978 و2000 كدليل على محدودية القوة العسكرية. تلك الفترة أثبتت أن الاحتلال الطويل لا يحقق استقراراً، بل يساهم في ولادة مقاومة أكثر تنظيماً وصلابة.
ويواجه الاحتلال اليوم معضلة حقيقية في التعامل مع تهديد يجمع بين العقيدة القتالية والتنظيم العسكري المتطور. هذه المعضلة تدفعه لتبني خيارات هجومية قد تحقق إنجازات تكتيكية سريعة، لكنها تفتقر إلى رؤية تضمن حلولاً مستدامة على المدى البعيد.
ويرتبط التصعيد المستمر في الجبهة الشمالية بالسياق الإقليمي الأوسع، ولا سيما المواجهة المفتوحة مع إيران. هذا الارتباط يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من جنوب لبنان ساحة لتصفية حسابات إقليمية كبرى قد تؤدي لتوسع رقعة النزاع.
كما يساهم ضعف حضور مؤسسات الدولة اللبنانية في الجنوب في خلق فراغ أمني تستغله الأطراف المختلفة. هذا الغياب يعزز من منطق "الأمن الذاتي" الذي يبرر به الاحتلال اعتداءاته، بينما يدفع السكان المحليون الثمن الأكبر لهذه الفوضى.
وفي الختام، يبقى نهر الليطاني رمزاً لصراع الإرادات بين رؤية إسرائيلية تسعى لرسم حدود أمنية بالحديد والنار، ورؤية لبنانية تتمسك بالسيادة الوطنية. وفي ظل غياب أفق سياسي حقيقي، تظل المنطقة مرشحة لمزيد من التوتر الذي يضرب بعرض الحائط القوانين الدولية.
المصدر:
القدس