شهدت باحات المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة، تدفق آلاف الفلسطينيين الذين توافدوا لإحياء أول صلاة جمعة بعد فترة إغلاق قسري استمرت نحو 40 يوماً. وأعاد هذا المشهد للمكان حضوره المألوف، حيث امتلأت الساحات بالمصلين الذين أصروا على الوصول رغم العوائق الكبيرة التي وضعت في طريقهم.
وسادت أجواء من الفرح الغامر بين المصلين الذين وصفوا اللحظة بأنها تشبه 'أجواء العيد'، حيث امتزجت مشاعر الخشوع بدموع اللقاء بعد الحرمان الطويل. وقد عكس هذا التواجد الكثيف حجم الارتباط الوجداني والديني العميق الذي يربط الفلسطينيين بمسجدهم، معتبرين العودة إليه انتصاراً معنوياً مهماً.
في المقابل، لم تغب إجراءات الاحتلال القمعية عن المشهد، حيث فرضت القوات المتمركزة عند بوابات المسجد قيوداً مشددة على دخول المصلين. وشملت هذه الإجراءات التدقيق الصارم في الهويات الشخصية، ومنع أعداد كبيرة من الشبان من الوصول إلى المصليات المسقوفة أو الساحات الخارجية.
وأفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال سجلت اعتداءات متفرقة على بعض المواطنين أثناء محاولتهم الدخول، كما حاولت إبعاد عدد من المرابطين عن الساحات. ورغم هذه التضييقات، استمر تدفق المصلين من مختلف أحياء القدس والداخل المحتل، مؤكدين على حقهم الطبيعي في ممارسة شعائرهم الدينية.
وعلى صعيد التفاعل الرقمي، تصدر وسم 'المسجد الأقصى' منصات التواصل الاجتماعي في فلسطين وعدة دول عربية، حيث تداول الناشطون صوراً ومقاطع فيديو توثق لحظات الصلاة. وعبر المغردون عن سعادتهم بعودة الحياة إلى المسجد، معتبرين أن امتلاء الساحات يمثل رسالة صمود قوية في وجه محاولات التفريغ.
وبرزت في التدوينات عبارات مؤثرة تعكس الشوق للمكان، حيث كتب أحد الناشطين أن 'الأقصى استعاد أنفاسه بوجود أهله'، بينما اعتبر آخرون أن هذه الجمعة تمثل محطة فارقة في كسر الحصار المفروض على المقدسات. ودعت منصات شبابية إلى ضرورة الاستمرار في الرباط وتكثيف التواجد الدائم في المسجد.
وأشار مراقبون إلى أن صور الحشود وهي تؤدي الصلاة في رحاب الأقصى أعادت للأذهان مشاهد الالتفاف الشعبي التاريخي حول المسجد في الأزمات السابقة. واعتبروا أن هذا التفاعل الواسع يؤكد من جديد على مركزية القدس في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي، وتجاوزها للطابع الديني إلى أبعاد وطنية.
ورغم الرمزية الكبيرة لهذه العودة، إلا أن حالة من الترقب لا تزال تسود الشارع الفلسطيني بشأن استمرارية الوصول الحر إلى المسجد. ويرى متابعون أن فتح المسجد وإغلاقه يظل خاضعاً لتقديرات الاحتلال الأمنية والسياسية، مما يجعل المعركة على الحضور في الأقصى مستمرة وغير منتهية.
ويربط محللون بين الإغلاق الطويل الذي شهده المسجد خلال الأسابيع الستة الماضية وبين حالة التأهب القصوى التي فرضها الاحتلال على خلفية التوترات الإقليمية. وقد اعتبر الفلسطينيون أن استغلال الظروف السياسية لفرض وقائع جديدة في الأقصى هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً، وهو ما ترجمه الإقبال الكثيف اليوم.
ختاماً، يبقى مشهد صلاة الجمعة في الأقصى اليوم دليلاً على فشل سياسات التغييب القسري للفلسطينيين عن مقدساتهم. فكل سجدة في تلك الساحات كانت تحمل في طياتها تأكيداً على الهوية العربية والإسلامية للمدينة، ورفضاً قاطعاً لكل محاولات التقسيم أو العزل التي تستهدف المسجد المبارك.
المصدر:
القدس