تواجه الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو أزمة ثقة حادة مع الشارع الإسرائيلي، حيث أظهرت أحدث استطلاعات الرأي أن نحو 60% من المستطلعين يعتقدون أن الحرب الحالية لم تحقق أياً من أهدافها المعلنة. ورغم محاولات الائتلاف الحاكم تسويق ما يسمى بـ 'رواية الانتصار'، إلا أن المزاج العام يميل نحو الشعور بالإخفاق الاستراتيجي أمام إيران وحزب الله.
وأشارت بيانات استطلاع القناة العبرية الرسمية إلى أن 58% من الإسرائيليين يرون أن تل أبيب وواشنطن فشلتا في تحقيق حسم عسكري واضح، بينما اعتبرت نسبة ضئيلة لا تتجاوز 25% أن النتائج كانت لصالحهم. هذا التراجع في الثقة يمتد ليشمل أداء نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس، حيث أعرب نصف الإسرائيليين عن عدم رضاهم عن إدارتهما للملف العسكري.
وفي سياق متصل، أظهر استطلاع القناة 12 العبرية حالة من التخبط في تقدير النتائج، إذ رأى 40% من المشاركين أنه لا يوجد منتصر في هذه الجولة، بينما ذهب 19% إلى اعتبار إيران هي الطرف المنتصر. وتعكس هذه الأرقام فجوة كبيرة بين الخطاب السياسي الرسمي الذي يتحدث عن 'النصر المطلق' وبين الواقع الذي يلمسه الجمهور الإسرائيلي ميدانياً.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، ترسم الاستطلاعات صورة قاتمة لمستقبل الائتلاف اليميني، حيث تشير التوقعات إلى سقوط الحكومة في حال إجراء انتخابات مبكرة. وبحسب المعطيات، لن يتجاوز معسكر نتنياهو حاجز الـ 50 مقعداً في الكنيست، بينما تقترب المعارضة من تحقيق أغلبية تتيح لها تشكيل حكومة جديدة بالتعاون مع الأحزاب العربية.
وتأتي هذه التطورات تزامناً مع بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية، وهو الاتفاق الذي يواجه معارضة شعبية واسعة داخل إسرائيل بلغت 53%. ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق يمثل 'هزيمة استراتيجية' لمهندسي الحرب، خاصة في ظل استمرار التوتر على الجبهة الشمالية مع لبنان وعدم شمولها بالتهدئة.
من جانبه، شبه المحلل السياسي ألوف بن وضع نتنياهو الحالي بوزير الأساطيل البريطاني في الحرب العالمية الأولى الذي قاد بلاده لهزيمة 'غاليبولي'، وليس بتشرتشل الذي انتصر في الحرب العالمية الثانية. واعتبر أن محاولات نتنياهو لهندسة أهداف الحرب بأثر رجعي تهدف فقط للحفاظ على مكانته السياسية المترنحة وتجنب المحاسبة على الإخفاقات.
ميدانياً، أفادت مصادر بأن الطيران الإسرائيلي نفذ سلسلة غارات عنيفة بلغت 100 غارة خلال دقائق معدودة على مواقع في لبنان، مما أسفر عن سقوط مئات الشهداء والجرحى. وتأتي هذه التصعيدات في ظل إصرار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، على مواصلة العمليات العسكرية في الشمال رغم الضغوط الدولية الداعية للتهدئة.
وفي المقابل، ردت طهران بتعليق حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى انخفاض حاد في حركة السفن من 140 سفينة يومياً إلى بضع سفن فقط. وتهدف إيران من هذه الخطوة إلى التأكيد على تلازم المسارات بين الجبهات المختلفة، والضغط على المجتمع الدولي لضمان شمول التهدئة لكافة الساحات بما فيها لبنان.
وحذرت وزيرة القضاء السابقة أييلت شاكيد من أن التنازل في المفاوضات الجارية بشأن اليورانيوم المخصب أو آليات الطرد المركزي سيقود حتماً إلى 'حرب ثالثة' في المدى القريب. واعتبرت أن إسرائيل لا يمكنها القبول باتفاق لا يضمن تفكيك القدرات النووية الإيرانية بشكل كامل، واصفة الوضع الحالي بالخطير جداً على أمن إسرائيل القومي.
وتشير تقارير صحفية إلى أن نتنياهو يشعر بإحباط شديد جراء فشله في تسويق 'منجزات' الحرب للجمهور، خاصة مع استمرار دوي صافرات الإنذار في المستوطنات الشمالية. ويرى محللون عسكريون أن الحكومة تبحث حالياً عن 'كبش فداء' لتحميله مسؤولية الفشل الدبلوماسي والعسكري الذي رافق العمليات الأخيرة.
وعلى مستوى الخسائر البشرية، سجلت منظمة الطب الشرعي الإيرانية أكثر من 3 آلاف قتيل منذ انطلاق العمليات في 28 فبراير الماضي، مما يعكس حجم الدمار الذي خلفته المواجهة. وفي إسرائيل، يسود شعور بأن الجبهة الداخلية باتت 'ساحة عسكرية مركزية' مكشوفة أمام ضربات الخصوم، وهو ما لم يعتده المجتمع الإسرائيلي في حروب سابقة.
ويرى شلومو بن عامي، وزير الخارجية الأسبق أن إسرائيل قد تكون حققت بعض المنجزات العسكرية التكتيكية، لكنها خسرت الحرب من الناحية الاستراتيجية والسياسية. واستشهد بن عامي بنماذج تاريخية تؤكد أن التفوق في ساحة المعركة لا يعني بالضرورة الانتصار في الحرب إذا غابت الرؤية السياسية الواضحة للخروج من الصراع.
وتترقب الأوساط السياسية نتائج المداولات المرتقبة في إسلام أباد بين واشنطن وطهران، وسط قلق إسرائيلي متزايد من تباين المصالح مع الإدارة الأمريكية. وتخشى تل أبيب أن تفرض واشنطن تسوية لا تلبي طموحاتها الأمنية، خاصة فيما يتعلق بتموضع حزب الله على الحدود الشمالية واستمرار التهديد الصاروخي.
ختاماً، يبقى المشهد الإسرائيلي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بين تصعيد عسكري محتمل لاستعادة الردع المفقود، أو رضوخ لضغوط التهدئة التي قد تطيح بالائتلاف الحاكم. ومع استمرار الانقسام حول 'رواية النصر'، يجد نتنياهو نفسه في مواجهة أصعب أزمة سياسية وعسكرية منذ توليه السلطة في عام 2009.
المصدر:
القدس