تجسد قصة علا جمال، السيدة الثلاثينية التي فقدت ذراعها أثناء إرضاع طفلها في مستشفى النصر للأطفال، مأساة آلاف الفلسطينيين الذين تحولت حياتهم بفعل القصف الإسرائيلي. علا التي انتقلت إلى القاهرة لتلقي العلاج، باتت اليوم تعيش بواقع جديد يمزج بين الألم الجسدي والندوب النفسية الغائرة التي لا تفارق مخيلتها ومخيلة أطفالها.
وتشير الإحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الفلسطينية إلى أن أكثر من 6 آلاف فلسطيني، بينهم عدد كبير من الأطفال، خضعوا لعمليات بتر أطراف منذ أكتوبر 2023. هذه الأرقام الصادمة تعكس واقعاً مأساوياً كان يقتلع أطراف نحو 10 أطفال يومياً خلال ذروة العمليات العسكرية في قطاع غزة.
وعلى الرغم من وصول مئات المصابين إلى العاصمة المصرية لتلقي الرعاية الطبية، إلا أنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة 'تيه قانوني' معقد. فالمصابون لا يمنحون عادة إقامات رسمية سارية المفعول أو صفة لاجئ، مما يعيق قدرتهم على الحركة أو الحصول على رعاية متطورة للأطراف الاصطناعية دون تدخل المنظمات الإغاثية.
ويعاني الناجون من ضغوط معيشية هائلة، حيث يضطر معظمهم للإقامة في نزل جماعية مكتظة أو تقاسم شقق سكنية مع عائلات أخرى في ظل ظروف مادية صعبة. ويحرم غياب الوثائق الرسمية هؤلاء الجرحى من حق العمل القانوني، مما يضاعف من معاناتهم النفسية والمادية ويجعلهم في حالة انتظار دائم لمستقبل مجهول.
شادي شريف، وهو أب لطفلين، يروي تفاصيل فقدانه لساقه أثناء محاولته جمع الحطب في منطقة الزهراء بغزة لتأمين احتياجات عائلته في مخيمات النزوح. استهدف صاروخ إسرائيلي شادي وأقاربه، ليتم نقله في رحلة شاقة على ظهر 'بغل' إلى أقرب نقطة طبية، قبل أن تبدأ رحلة معاناته الطويلة للوصول إلى مصر.
وعند وصول شادي إلى المستشفيات المصرية، كانت 'الغرغرينا' قد تمكنت من ساقه بسبب تأخر التنسيق للسفر ونقص الإمكانيات الطبية في غزة، مما اضطر الأطباء لبترها فوق الركبة. واليوم، ينتظر شادي في إحدى عيادات القاهرة لتركيب طرفه الاصطناعي الأول، متمسكاً بحلم العودة إلى بناته في القطاع بمجرد فتح المعابر.
وتحاول بعض المنظمات غير الحكومية، ومن بينها جمعية 'صدقة طاش' التركية، سد الفجوة التمويلية الكبيرة عبر توفير الأطراف الاصطناعية للمصابين مجاناً. ومع ذلك، تظل هذه الجهود محدودة أمام حجم الاحتياجات المتزايدة والتعقيدات الإدارية التي تواجه الجرحى الفلسطينيين في بيئة النزوح القسري.
وفي ظل هذا الواقع، تظل الجراح النفسية هي التحدي الأكبر الذي يواجه العائلات، حيث تروي علا كيف يستيقظ طفلها زين باكياً بانتظام متأثراً بصدمة القصف. وبينما يلح أطفالها في السؤال اليومي عن موعد العودة إلى غزة، تدرك الأم أن المكان الذي يحنون إليه قد تغيرت معالمه تماماً، لكن الأمل بالعودة يبقى المحرك الوحيد لصمودهم.
المصدر:
القدس