أكد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أن التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل في لبنان يمثل ركيزة أساسية ضمن خطة طهران المكونة من عشر نقاط، والتي تعد الإطار المرجعي للهدنة الحالية مع الولايات المتحدة. وأوضح بيزشكيان خلال اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أن التزام بلاده بالهدنة يعكس رغبة حقيقية في إنهاء النزاعات عبر القنوات الدبلوماسية والسياسية.
وشدد الرئيس الإيراني على أن المطلب المتعلق بلبنان ليس ثانوياً، بل هو شرط جوهري لضمان نجاح المسار الذي وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سابقاً بأنه 'أساس قابل للتفاوض'. وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس بعد إقرار هدنة لمدة أسبوعين تهدف إلى خفض التصعيد الإقليمي الذي أضر بحركة الملاحة الدولية.
من جانبه، دخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خط الأزمة، مطالباً بضرورة توسيع نطاق اتفاق وقف إطلاق النار ليشمل الجبهة اللبنانية بشكل صريح. واعتبر ماكرون في تدوينة له أن شمول لبنان هو الضمانة الوحيدة لجعل الاتفاق مستداماً وقادراً على الصمود أمام التحديات الميدانية المتسارعة.
ودعا الإليزيه القوى الأوروبية إلى ممارسة دور أكثر فاعلية للضغط على واشنطن وتل أبيب لاحترام التزاماتهما الدولية. وأشار ماكرون إلى أن استمرار العمليات العسكرية في لبنان يهدد بتقويض الجهود الدبلوماسية التي بُذلت للوصول إلى التهدئة المؤقتة بين واشنطن وطهران.
ميدانياً، شهد لبنان يوماً دامياً جراء غارات إسرائيلية مكثفة أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 182 شخصاً وإصابة نحو 890 آخرين. وتعد هذه الهجمات هي الأعنف منذ بدء المواجهات، مما وضع اتفاق الهدنة الوليد بين الولايات المتحدة وإيران على حافة الانهيار قبل أن يكمل أسبوعه الأول.
وفي رد فعل حاد، اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إسرائيل بانتهاك صريح للتفاهمات القائمة بين بلاده وواشنطن. وقال عراقجي إن 'الكرة الآن في الملعب الأمريكي'، مشيراً إلى أن استمرار المجازر في لبنان يضع صدقية الوعود الأمريكية على المحك أمام المجتمع الدولي.
وخاطب عراقجي الإدارة الأمريكية بلهجة حازمة، مؤكداً أنه لا يمكن لواشنطن أن تدعي الرغبة في السلام بينما تستمر في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية. وأضاف أن شروط الهدنة كانت واضحة، وأن أي محاولة لتجزئة المسارات الأمنية ستؤدي بالضرورة إلى عودة لغة السلاح.
في المقابل، جاء الرد الأمريكي مغايراً للتوقعات الإيرانية، حيث صرح نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس بأن الاتفاق الحالي لا يشمل لبنان. وأوضح فانس أن واشنطن لم تقدم أي وعود بوقف العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية كجزء من التفاهمات الثنائية مع طهران.
وحذر فانس الجانب الإيراني من السماح بانهيار المفاوضات بسبب ملف لبنان، معتبراً أن ذلك سيكون خياراً طهرانياً يتحملون عواقبه. وأشار إلى أن إسرائيل أبدت نوعاً من 'ضبط النفس' لإعطاء فرصة للمفاوضات، رغم كثافة الغارات الأخيرة التي وصفتها مصادر ميدانية بأنها غير مسبوقة.
وتربط واشنطن استمرار الهدنة بملفات استراتيجية أخرى، على رأسها ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز الذي تمر عبره 20% من تجارة النفط العالمية. وأكد فانس أن ترمب يتوقع التزاماً كاملاً من إيران بفتح المضيق، محذراً من 'عواقب خطيرة' في حال الإخلال بهذا البند الحيوي للاقتصاد العالمي.
وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن التوترات في مضيق هرمز أدت سابقاً لتراجع الملاحة بنسبة 90%، مما أثر على توقعات التضخم العالمي لعام 2026. وتسعى الإدارة الأمريكية لربط التهدئة العسكرية باستقرار أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يفسر الضغط الكبير على طهران في هذا الملف.
وعلى الصعيد العسكري، تكشف الإحصائيات عن حجم الخسائر الفادحة التي منيت بها الأطراف، حيث قُتل 936 عسكرياً إسرائيلياً منذ أكتوبر 2023. كما تضررت آلاف المباني داخل إسرائيل جراء الرشقات الصاروخية الإيرانية التي شملت مئات الصواريخ والطائرات المسيرة في جولات تصعيد سابقة.
ومن المقرر أن تنطلق جولة مفاوضات حاسمة في باكستان السبت المقبل، حيث سيقود فانس وفداً رفيعاً يضم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. وستبحث هذه اللقاءات إمكانية تحويل الهدنة المؤقتة إلى اتفاق دائم، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه المحادثات المباشرة المحتملة في إسلام آباد.
وتواجه الجهود الدبلوماسية تحديات كبرى في ظل الانحياز الأمريكي الواضح لإسرائيل، وهو ما تعكسه استطلاعات الرأي في المنطقة العربية. حيث يرى الغالبية العظمى من الفلسطينيين والعرب أن واشنطن ليست وسيطاً نزيهاً، مما يزيد من تعقيد الوصول إلى تسوية شاملة تنهي العدوان على غزة ولبنان.
المصدر:
القدس