لم يعد جسر الملك حسين (معبر اللنبي) مجرد نقطة حدودية تربط الضفة الغربية المحتلة بالعالم الخارجي، بل تحول إلى أداة سيطرة يومية تدار عبرها حركة الفلسطينيين ووقتهم وكرامتهم. ومن هذا المنظور، لا تبدو معاناة السفر حادثاً عارضاً أو خللاً إجرائياً، بل جزءاً من بنية أوسع تجعل التنقل ذاته وجهاً آخر من وجوه الاحتلال المستمرة.
يروي الكاتب الفلسطيني غيث ج. في مقال نشرته مجلة متخصصة، تجربته القاسية في ديسمبر الماضي، حين تحولت رحلته من الضفة إلى مطار عمان من 3 ساعات إلى 36 ساعة من التعطيل. ويصف كيف اضطر المسافرون للوقوف تحت ظروف جوية قاسية، والمبيت قرب المعبر وسط حالة من الارتباك وفقدان اليقين بالوصول.
إن الواقع الذي يعيشه الفلسطيني في الضفة يضعه تحت مفارقة مؤلمة؛ فهو يخضع للحكم الإسرائيلي لكنه محروم تماماً من استخدام المطارات الإسرائيلية. هذا الحرمان يجعل من عبور جسر اللنبي شرطاً لا مفر منه لأي سفر إلى الخارج، مما يحول المنفذ الوحيد إلى حاجز مهين يُغلق ويُفتح بقرار إسرائيلي منفرد.
في يوم الرحلة المشؤوم، وصل مئات المسافرين قبل افتتاح المعبر ليجدوا أنفسهم عالقين لساعات طويلة دون أي توضيح رسمي. وسرت شائعات عن إضراب في الجانب الإسرائيلي، مما أكد حقيقة أن القرار النهائي يبقى دائماً في يد سلطات الاحتلال التي تتحكم في مصائر المسافرين واحتياجاتهم الإنسانية.
تتعدد الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لمنع الفلسطينيين من السفر، حيث يكفي النشاط السياسي أو انتقاد الاحتلال لإدراج الاسم ضمن قوائم المنع. وتتم هذه الإجراءات غالباً تحت مسميات أمنية غير محددة، مما يحرم المسافر من حقه في التفسير أو الاعتراض على حرمانه من التنقل.
عندما يُسمح للمسافرين بدخول المباني المخصصة، تبدأ مرحلة جديدة من المشقة المتمثلة في الرسوم المالية الباهظة التي تُدفع للجانب الإسرائيلي. تشمل هذه الرسوم تذاكر منفصلة للمسافر وأخرى للحقائب، في عملية جباية منظمة تزيد من الأعباء الاقتصادية على المواطن الفلسطيني المثقل بالأزمات.
تتعالى صرخات المسافرين وتوسلاتهم في قاعات الانتظار، حيث يخشى الكثيرون ضياع رحلاتهم الجوية أو فوات مواعيد علاجية طارئة في الخارج. ومع ذلك، يصطدم الجميع بجواب متكرر من الموظفين مفاده أن 'كل شيء بأيدي الإسرائيليين'، في إشارة واضحة لغياب السيادة الفلسطينية على هذا المرفق.
تصف المصادر المشهد على المعبر بأنه ليس مجرد فوضى سفر، بل هو صورة مكثفة عن الوجود الفلسطيني تحت الاحتلال؛ حشد عالق في مساحة معلقة دون جهة واضحة للاحتجاج. ويتحول الانتظار إلى حالة من الاستنزاف النفسي والجسدي، حيث لا يعرف المسافر إن كان يومه سينتهي بالعبور أم بالعودة خائباً.
تؤكد تقارير حقوقية أن المعاناة الفلسطينية على المعابر تحولت إلى مجال للجباية والتربح من قبل سلطات الاحتلال التي تفرض قيوداً تعجيزية. وتعتبر جهات رسمية فلسطينية أن ما يحدث هو انتهاك صارخ للقانون الدولي وحقوق الإنسان، وجزء من سياسة ممنهجة تهدف لإذلال الفلسطينيين وكسر إرادتهم.
بالعودة إلى التاريخ القريب، يذكر الكاتب أن خيارات السفر للفلسطينيين كانت أكثر تنوعاً، حيث كان مطار القدس قرب قلنديا بوابتهم التاريخية للعالم. لكن الاحتلال حول موقع المطار إلى مشروع استيطاني، مما أدى لإغلاق نافذة جوية هامة كانت تخدم سكان الضفة والقدس لعقود طويلة.
لم تقتصر سياسة الحصار على مطار القدس، بل امتدت لتشمل مطار غزة الدولي الذي دمرته إسرائيل بعد فترة وجيزة من إنشائه عقب اتفاق أوسلو. كما أُغلق الممر البري الآمن الذي كان يربط بين الضفة وغزة، مما أحكم الخناق على التنقل بين شطري الوطن الواحد.
يشير المقال أيضاً إلى جسر دامية ومعبر الشيخ حسين، اللذين يمثلان نماذج أخرى للتمييز الإسرائيلي في سياسات السفر والتنقل. فبينما تظل هذه المعابر مفتوحة أمام فئات مختلفة، يُمنع فلسطينيون الضفة من استخدامها، مما يحصر حركتهم في 'عنق زجاجة' واحدة يتحكم فيها الاحتلال.
إن سياسة إغلاق الخيارات واحداً تلو الآخر أدت إلى حصر العالم كله بالنسبة للفلسطيني في معبر اللنبي، وهو ما يراه الكاتب استراتيجية متعمدة. الهدف من ذلك هو إشعار الفلسطيني بتبعيته الكاملة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية حتى في أبسط حقوقه الطبيعية مثل السفر والعودة.
يختم الكاتب شهادته بالتعبير عن مخاوف جيل كامل من الفلسطينيين، حيث لا تقتصر المشكلة على مشقة الطريق الحالية فحسب. بل يكمن القلق الأكبر في أن يرث الأبناء هذه التجربة المريرة، ليظل السفر بالنسبة للفلسطيني رحلة محفوفة بالإذلال والانتظار بدلاً من أن يكون جسراً نحو الحرية.
المصدر:
القدس