آخر الأخبار

واقع التعليم الجامعي في غزة: دراسة بلا مختبرات وتدمير ممنهج

شارك

في قطاع غزة، لم تعد معايير النجاح الأكاديمي ترتبط بالتحصيل الدراسي التقليدي، بل باتت تُقاس بقدرة الطالب على الصمود وتحدي الظروف القاسية للوصول إلى إشارة إنترنت أو شحن هاتف محمول. يجلس طلبة التخصصات العلمية خلف شاشات متهالكة، يحاولون استيعاب المناهج المعقدة في بيئة تفتقر لأدنى مقومات التعليم، حيث تحول الحصار والواقع الرقمي الهش إلى عائق يحول بينهم وبين جامعاتهم التي سويت بالأرض.

تفوح في أروقة الجامعات المدمرة رائحة البارود الممتزجة بغبار الإسمنت بدلاً من الروائح الكيميائية التي اعتاد عليها طلبة العلوم. الصمت الذي يلف الصروح الأكاديمية اليوم ليس هدوء المذاكرة، بل هو صمت الفراغ الذي خلفه استهداف المؤسسات التعليمية في قلبها، مما دفع الطلبة لمواصلة تعليمهم من داخل خيام النزوح وفوق أنقاض كلياتهم التي تحولت إلى ركام.

يؤكد طلبة طب الأسنان أن الصعوبة لا تكمن فقط في انقطاع التيار الكهربائي أو ضعف شبكات الاتصال، بل في الفقدان التام للمعامل والمختبرات والكراسي التدريبية. حرب الإبادة الجماعية حولت هذه التجهيزات المتطورة إلى حطام، مما جعل التدريب العملي مستحيلاً في ظل غياب البيئة التطبيقية اللازمة لصقل مهاراتهم المهنية.

شهدت التخصصات الدقيقة مثل الصيدلة والهندسة والطب تحولاً قسرياً نحو المعرفة النظرية البحتة التي تُقدم عبر الشاشات، وهو ما يصفه الطلبة بـ 'العجز القسري'. هذا التحول يهدد جودة المخرجات التعليمية، خاصة مع غياب المختبرات التي كانت تشكل الركيزة الأساسية لفهم المواد العلمية وتطبيقها على أرض الواقع.

تلقى الكادر الأكاديمي في غزة ضربة موجعة أثرت بشكل مباشر على جودة التعليم، حيث استشهد عدد من الأساتذة والعلماء خلال الحرب، بينما اضطر آخرون لمغادرة البلاد. هذا النقص الحاد في الخبرات الأكاديمية عمق فجوة التعليم وأضعف القدرة على تقديم التدريب العملي الكافي للأجيال الصاعدة من الأطباء والمهندسين.

تصف طالبات الهندسة الواقع المرير بالقول إن دراسة الرسم الهندسي، الذي يتطلب دقة عالية وأدوات خاصة، تتم الآن عبر شاشات هواتف مكسورة وفي ظروف غير مهيأة. الحصار الرقمي الذي يفرضه الاحتلال يمنع دخول الأجهزة والمعدات التقنية، مما يزيد من معاناة الطلبة الذين يشعرون بأنهم سيتخرجون وهم يفتقرون لجانب حيوي من التدريب الميداني.

ندرس بتعب نفسي كبير، وتخيلوا أن نتعلم الرسم الهندسي عبر شاشة هاتف مكسورة من داخل خيام النزوح.

من جانبه، أوضح الدكتور محمد شبير، رئيس جامعة الأزهر أن المختبرات الجامعية التي أنشئت بجهود أجيال وتكلفة ملايين الدولارات قد تحولت إلى ساحات خالية من الحياة. وأشار إلى أن المواد الكيميائية والأجهزة الحساسة التي كانت تمثل بيئة خصبة للبحث العلمي أصبحت اليوم بلا قيمة بعد أن طالها التدمير الممنهج.

تحاول إدارة الجامعات في غزة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تحت الأنقاض، في محاولة يائسة لإصلاح الأجهزة القابلة للصيانة. وقد تمكنت الفرق الفنية من استخراج بعض مقاعد طب الأسنان وإصلاح عدد محدود منها لإعادة استخدامها في تدريب الطلبة، رغم النقص الحاد في الإمكانات والموارد الأساسية.

أفادت مصادر أكاديمية بأن الطلبة يضطرون لابتكار بدائل بدائية للمواد التعليمية المفقودة، مثل استخدام الصابون بدلاً من الشموع المخصصة للتدريب في كليات طب الأسنان. هذه المحاولات تعكس إصراراً على الاستمرار رغم شح الإمكانات، حيث يفتح الطالب كتابه فوق حجر من ركام جامعته في معركة وعي وطنية.

تشير البيانات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم ومنظمة اليونسكو إلى كارثة تعليمية غير مسبوقة، حيث تضررت نحو 95% من مؤسسات التعليم العالي في القطاع. ومن أصل 38 حرماً جامعياً، تعرض 22 حرماً للتدمير الكلي، بينما أصيبت بقية المباني بأضرار متفاوتة جعلتها غير صالحة للاستخدام التعليمي.

يرى الأكاديميون في غزة أن ما يحدث هو محاولة لتجهيل المجتمع وتدمير مستقبله من خلال استهداف العقول والمؤسسات العلمية. ومع ذلك، يواصل الطلبة مسيرتهم التعليمية بوسائل بديلة، مؤكدين أن العلم هو السلاح الأهم في مواجهة الاحتلال وإعادة إعمار ما دمرته الحرب في السنوات المقبلة.

إن الصمود الاستثنائي الذي يظهره طلبة غزة يجسد إرادة الحياة، حيث يحمل الطالب قلمه بيد ويزيل غبار الركام باليد الأخرى. هؤلاء الشباب لا ينتظرون إعادة بناء الجامعات ليبدأوا من جديد، بل يسعون لاكتساب المعرفة الآن ليكونوا هم السواعد التي ستبني غزة من جديد بعد انتهاء العدوان.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا