د. أحمد الطيبي: توجهنا بالتماس ضد القانون العنصري للمحكمة العليا أوجب تقديم رد الحكومة والكنيست حتى أواسط أيار المقبل
د. محمد دراوشة: الهدف من القانون تحقيق مكاسب سياسية داخلية إلا أنه سيزيد من حدة التوتر وسيؤثر سلباً على صورة إسرائيل دولياً
سوسن سرور: عرض القانون على المحكمة العليا يضع القضاة أمام ساعة الحسم فقرارهم في القضية سيضعهم على المحك
د. ثائر أبو راس: إقرار القانون يضع إسرائيل في مأزق أمام المحاكم الدولية في قضايا الإبادة الجماعية وجرائم الحرب
د. محمد مهران: إلغاء شرط الإجماع القضائي قبل تنفيذ الإعدام تراجع عن المعايير التي أصّلتها إسرائيل تاريخياً في قانونها العسكري
خاص بـ القدس-
صادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي، مساء الإثنين الماضي، بالقراءتين الثانية والثالثة، على ما يسمى "قانون إعدام الأسرى"، بعدما صوت لصالح القانون 62 عضوا، في خطورة غير مسبوقة أثارت موجة غضب واسعة وتنديدا دوليا طالب بإيقافه على الفور. ما الذي يعنيه هذا القانون وعلى من يسري؟ وماذا عن تداعياته على مستوى الاحتلال؟ وما هي الخطوات العملية القادرة على إيقافه؟
خطوات عملية لمواجهة قانون إعدام الأسرى وإبطاله
يؤكد النائب د. أحمد الطيبي، رئيس كتلة الجبهة والعربية للتغيير أن ما يُطرح تحت عنوان "قانون إعدام الأسرى" ليس تشريعا جنائيا عاديا، بل هو قانون سياسي ذو طابع تمييزي واضح، يستهدف مجموعة قومية بعينها، ويضرب في الصميم مبدأ المساواة أمام القانون.
ويشير الطيبي إلى أن هذا القانون -في جوهره- يعكس توجها خطيرا نحو استخدام أقصى العقوبات في سياق صراع قومي واستمرارا لسياسات الإبادة والتطهير العرقي بالإضافة لكونه أداة لابتزاز الأسرى قبل "الإدانة".
ويضيف الطيبي "أنا أعارض مبدئيا وقيميا حكم الإعدام في كل مكان. وهنا ناضلنا ضد هذا القانون وحاولنا تجنيد أصوات ضده لكن هذا ائتلاف يميني فاشي نجح بتمريره بدعم من نتنياهو وبن غفير".
كما أنه يتعارض مع التوجه العالمي المتزايد نحو تقليص عقوبة الإعدام، ويتناقض مع التزامات إسرائيل الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وميثاق جنيف وغيرها، خاصة أنه ينص على تطبيقه على فلسطينيين من الضفة الغربية ويستثني مستوطنين يهود في الضفة قاموا بعمليات قتل ضد فلسطينيين.
ويرى الطيبي أنه من الناحية العملية، هناك عدة مسارات لمواجهة هذا القانون والعمل على إبطاله: أولا، المسار القضائي من خلال التوجه إلى المحكمة العليا للطعن بعدم دستوريته، استنادا إلى انتهاكه لقانون أساس كرامة الإنسان وحريته ولمبدأ المساواة.
ثانياً، المسار الدولي، من خلال تحريك مؤسسات حقوق الإنسان والضغط السياسي والدبلوماسي على الحكومة مع مشيرا إلى عدم ثقته بالمجتمع الدولي الذي صمت على حرب الابادة.
ثالثاً، المسار الجماهيري والإعلامي، لتعبئة الرأي العام ضد هذا التشريع الخطير.
وذكر الطيبي أنه في إسرائيل لم يطلب أحد إعدام أو قتل قاتل رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين أو أي إرهابي يهودي قتل فلسطينيين، ونص القانون –على سبيل المثال- يستثني حارق عائلة الدوابشة لو تمت اليوم.
ويؤكد في ختام حديثه أن القانون شرير واستثنائي من أسوأ قوانين العصر الحديث، وعارضه نواب كثر من المعارضة وكتب ضده الإعلام الإسرائيلي "ولكن إسرائيل يحكمها مجموعة من الفاشيين العنصريين اتباع الحاخام المأفون كهانا حيث انتشرت روح وأفكار الكهانية في كل أوساط المجتمع الإسرائيلي وخاصة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023".
هل تتم إعادة محاكمة الأسرى الحاليين؟
يقول المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي د. محمد دراوشة إن "إعدام الأسرى" هو قانون سياسي عنصري، وليس أمنياً أو جنائياً، بل يستهدف الفلسطينيين تحديداً. ومن غير المرجح أن يتم تطبيقه فعلياً، كما أنه لن لا ينفذ بأثر رجعي، وبالتالي لا يوجد ما يدعو للخشية من تطبيقه على الأسرى المعتقلين حاليا، إلا في حال إعادة محاكمتهم، وهو احتمال قائم ويحمل قدراً من الخطورة.
ويضيف دراوشة أن القانون صيغ بطريقة تجعله لا ينطبق على العنف أو بالإرهاب اليهودي، ما يؤكد طابعه التمييزي بشكل واضح. ويشير إلى أن القانون يعزز لدى الفلسطينيين القناعة، مرة أخرى، بأن المنظومة القانونية في إسرائيل تتعامل معهم كفئة دونية، ذات حقوق أقل، وأنها لا تكتفي بالإجراءات الأمنية، بل تستخدم القضاء كأداة للسيطرة والردع الجماعي.
ويوضح دراوشة أن من شأن هذا القانون أن يزيد من حدة التوتر، خاصة في الضفة الغربية والقدس، ويبدو أنه موجه أساساً لهاتين المنطقتين. كما سيؤثر سلبا على صورة إسرائيل دوليا، لا سيما أنه يتعارض مع التوجه العالمي المتزايد نحو إلغاء عقوبة الإعدام، خصوصاً في أوروبا والدول التي تصف نفسها بالديمقراطية.
ويشير درواشة إلى أن هذا القانون سيفتح الباب أمام انتقادات حقوقية ودبلوماسية جديدة، وأن استثناء اليهود من تطبيقه وربطه حصرا بالفلسطينيين سيعزز الرواية القائلة إن إسرائيل تطبق معايير مزدوجة في العدالة.
ويرى أن الهدف الأساسي من القانون هو تحقيق مكاسب سياسية داخلية قصيرة المدى، خاصة في سياق الانتخابات، لكنه في المقابل سيشكل عبئا إضافيا على صورة إسرائيل في الساحة الدولية، وسيؤثر على مجمل المجتمع الفلسطيني، وليس فقط في الضفة الغربية.
ويضيف دراوشة أن هذا القانون يأتي ضمن سلسلة من التشريعات، مثل قانون القومية التي تُوصف بالتمييزية، ما يضع إسرائيل، وفق هذا الرأي، ضمن الأنظمة الأكثر قمعاً.
ويختتم دراوشة بالقول إن إقرار مثل هذا القانون، حتى لو تم تنفيذه، لن يغير كثيراً في الواقع القائم، إذ إن ممارسات القتل قائمة بالفعل دون الحاجة إلى تشريعات إضافية، كما أن تأثيره على الردع محدود، في حين يعكس بالدرجة الأولى توجهات اليمين الحاكم وسعيه لإرضاء قاعدته السياسية.
أداة سياسية وتكريس لنظام قانوني مزدوج قائم على التمييز
تقول الصحافية سوسن سرور المراقبة والناقدة للمشهد السياسي في إسرائيل "في الوقت الذي تلغي فيه أكثر من مئة دولة في العالم قانون الإعدام، يشرعن الكنيست الإسرائيلي الإعدام من خلال التصويت على مشروع قانون، بأغلبية الأصوات 62 وبتأييد من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مقابل 48 معارضًا".
وتشير سرور إلى أن تمرير القانون يعكس تحولا واضحا في المزاج السياسي داخل الكنيست، مع صعود التيارات اليمينية المتشددة، وتراجع تأثير معسكر الوسط واليسار.
وتضيف "وقد يصبح القانون أداة سياسية داخلية بقدر ما هو أداة أمنية، في ظل سعي بعض الأحزاب لتعزيز خطابها أمام قواعدها الانتخابية، في سنة الانتخابات -إذا ما جرت فعليًا-، لا سيما في ظل استمرار التوترات الأمنية في المنطقة".
تؤكد سرور أن "القانون ليس تجديدا في سفر القوانين الإسرائيلية، فحكم الإعدام قائم فيه، إنما هناك شروطا لتنفيذه، إلا أن هذا القانون جاء ليزيلها ويقصر تنفيذه على الأسرى الفلسطينيين، بغض النظر عن كونهم أسرى حرب حسب القانون الدولي، الأمر الذي يعبر عن حال المجتمع الإسرائيلي الذي انحرف نحو اليمين بشكل ملحوظ بعد طوفان الأقصى حتى اليوم".
توضح سرور أن القانون يكرس -بصيغته الحالية- الإعدام كأداة سياسية، ونظاما قانونيا مزدوجا قائما على التمييز على أساس الهوية القومية، إذ يُطبق عمليا على الفلسطينيين دون غيرهم، سواء عبر المحاكم العسكرية في الأراضي المحتلة أو من خلال تعريفات قانونية فضفاضة داخل المنظومة القضائية الإسرائيلية، بما يُفرغ مبدأ المساواة أمام القانون من مضمونه.
وتضيف أن تطبيقه على الفلسطينيين يُعد خرقا واضحا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات لاهاي وجنيف، التي تحظر على سلطات الاحتلال فرض تشريعاتها على السكان الواقعين تحت الاحتلال.
وترى سرور أن هناك عدة خطوات قد تنجح في إعاقة تنفيذ القانون أو إيقافه نهائيا، وهي ما بدأت فعليا بعد ساعات قليلة من المصادقة على القانون بالتوجه بطعون لإلغائه لدى المحكمة العليا الإسرائيلية، وأكدت سرور أنه غير دستوري ويفتقر للشرعية القانونية، ويعد انتهاكا صارخا للحق في الحياة باعتباره الحق الأساسي الذي تقوم عليه جميع حقوق الإنسان.
وتشير إلى أن هناك مواقفا وآراء مختلفة بشأن مكانة المحكمة العليا في إسرائيل، وهي المحكمة التي لم توقف الإبادة في غزة ولم توقف القتل والتقتيل ومصادرة الأراضي وهدم البيوت في الضفة الغربية على مدار السنوات، لكن عرض هذا القانون بشكله الحالي وفيه الكثير من الخروقات القانونية، التي عارضها المستشارون القضائيون في الكنيست وغيرها، قد تضع قضاة المحكمة أمام ساعة الحسم فقرارهم وحكمهم في هذه القضية سيضعهم على المحك، وسيلاحقهم إلى ما بعد إنهاء عملهم في المحكمة، حتى إلى قبورهم إذا ما تغاضوا عن جميع الإشكاليات والمخالفات القانونية في هذا القانون الفاشي.
وتقول سرور إن "المطلوب فلسطينياً هو الوحدة ضد هذا القانون وعلى السلطة الفلسطينية بشكل خاص وقف كافة أشكال التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية".
أما على المستوى العالمي، ترى سرور أن على منظمة العفو الدولية التي تناهض عقوبات الإعدام التدخل سريعا لمنع تنفيذ هذا القانون وعلى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تفعيل الضغوطات على الحكومة الإسرائيلية للتراجع عن تنفيذ هذا القانون الذي يتعارض مع الالتزامات الإسرائيلية بموجب القانون الدولي.
وتضيف أنه يجب مقاطعة إسرائيل، وإلغاء اتفاقية التجارة معها، ووقف الامتيازات الاقتصادية الممنوحة لها، وقف التعاون العلمي، وفرض إجراءات عقابية ملموسة.
وتضيف سرور إن مواجهة هذا القانون تمثل معركة قانونية وإعلامية من أجل العدالة والإنسانية، ما يستدعي تضافر جهود المؤسسات الحقوقية والجهات السياسية والإعلامية لنصرة قضية الأسرى، واتخاذ خطوات عملية لحماية الحق في الحياة وكرامة الإنسان.
وتؤكد أن الحماية الدولية للأسرى الفلسطينيين باتت ضرورة ملحة، داعية إلى تحرك دولي فعال، بما في ذلك تفعيل أدوات المساءلة الدولية وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية.
مواجهة هذا القانون يجب ألا تقتصر على الإدانة
يقول المحامي والخبير القانوني محمد دحلة إن القانون الإسرائيلي الجديد المتعلق بفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات قتل، دخل حيز التنفيذ من الناحية الشكلية، إلا أنه لا يشمل الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الموجودين حاليًا في سجون الاحتلال، ولا يسري على أي ملفات سابقة لإقراره، موضحًا أن تطبيقه يقتصر فقط على أي حالة جديدة مستقبلية قد تندرج ضمن الشروط التي وضعها الاحتلال.
ويشير دحلة إلى أن المطالبات الإسرائيلية بإقرار عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين ليست جديدة، بل طُرحت منذ سنوات من قبل أحزاب يمينية مختلفة، قبل أن تعود بقوة في ظل الحكومة الحالية التي يقودها اليمين المتطرف، وعلى رأسه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، مشيرا إلى أن الهدف الأساسي من تمرير القانون هو تسهيل فرض العقوبة على الفلسطينيين بعد أن كانت القوانين السابقة، رغم وجود عقوبة الإعدام فيها نظرياً، تضع شروطاً معقدة جعلت تنفيذها شبه مستحيل على المستوى العملي.
ويذكر دحلة أن القانون الجديد يكرس تمييزا قانونيا واضحا حتى بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وبين الفلسطينيين في الداخل والقدس، موضحًا أن الفلسطيني من سكان الضفة قد تطبق عليه العقوبة إذا اعتُبر الفعل جزءا مما يصفه الاحتلال بأنه "عمل إرهابي"، بينما يخضع الفلسطيني من حملة الهوية الزرقاء في الداخل أو القدس لشروط مختلفة وأكثر تعقيدا، من بينها أن يكون الفعل قد ارتُكب بهدف ما يسمى "نفي وجود إسرائيل"، وهو شرط وصفه بأنه فضفاض وصعب الإثبات والتطبيق.
ويضيف دحلة أن هذا التمييز لم يأتِ بشكل عشوائي، بل صيغ عمدا لتفادي الطعن المباشر بالقانون باعتباره نصا عنصريا صريحا، وكذلك لضمان عدم انطباقه على المستوطنين الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم قتل بحق الفلسطينيين، إذ إن هؤلاء يحاكمون ضمن المنظومة القانونية الإسرائيلية الداخلية التي تكاد تجعل فرض الإعدام عليهم مستحيلا، حتى في الحالات التي تكون فيها الجريمة ذات خلفية أيديولوجية واضحة.
ويؤكد المحامي دحلة أن القانون -بصيغته الحالية- يكشف عن طابع عنصري فاضح، لأنه يستهدف الفلسطينيين تحديدا حتى وإن حاولت الحكومة الإسرائيلية إخفاء ذلك عبر صياغات قانونية ملتبسة، مشددا على أن الهدف السياسي منه لا ينفصل عن سعي الحكومة الحالية إلى إرضاء قواعدها اليمينية المتطرفة وإظهار مزيد من التشدد في التعامل مع الفلسطينيين.
ويشير إلى أن القانون يواجه إشكاليات دستورية وقانونية كبيرة، سواء من منظور القانون الدولي أو حتى وفق النظام القانوني الإسرائيلي نفسه، موضحا أن المحكمة العليا الإسرائيلية تملك صلاحية مراجعة القوانين التي يقرها الكنيست، وقد سبق لها أن ألغت قوانين مختلفة في حالات سابقة عندما رأت أنها تتعارض مع ما يسمى قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته.
ويرى الخبير القانوني أن هناك فرصة فعلية للطعن في هذا القانون أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، خاصة أن تطبيقه قد يضع إسرائيل في مأزق قانوني ودولي واسع، موضحًا أن إمكانية تنفيذه على أرض الواقع، حتى في حال وقوع حالة جديدة، لن تكون فورية، لأن أي قضية من هذا النوع تحتاج إلى تحقيقات وإجراءات ومحاكمات طويلة قد تمتد لعام ونصف أو عامين قبل الوصول إلى مرحلة إصدار الحكم النهائي.
ويعتبر المحامي دحلة أن تمرير القانون يحمل أبعادا سياسية وانتخابية وشعبوية واضحة، ويعكس محاولة من قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف، وعلى رأسهم بن غفير، لتقديم أنفسهم أمام الجمهور الإسرائيلي باعتبارهم الأكثر تشددا تجاه الفلسطينيين.
ويشدد دحلة على أهمية استمرار التحرك الفلسطيني قانونيا ودبلوماسيا أمام المحافل الدولية، بما في ذلك محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مؤكدا أن مواجهة هذا القانون لا يجب أن تقتصر على الإدانة السياسية وبيانات الشجب، بل تتطلب جهدا قانونيا وإعلاميا ودبلوماسيا متواصلا، إلى جانب تحرك شعبي واسع يفضح طبيعته العنصرية وخطورته على مستقبل الأسرى وحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.
مواجهة صفرية.. إسرائيل تستخدم أقصى درجات العنف
يؤكد المحلل السياسي د. ثائر أبو راس أن تمرير قانون إعدام الأسرى ليس مفاجئا، بل هو خطوة إضافية ضمن سياسات الحكومة الحاكمة في إسرائيل، والتي تُعد من أكثر الحكومات اليمينية تطرفا في تاريخها.
ويوضح أبو راس "أن هذا التوجه يعكس عمليا سعيا لتغيير طبيعة الصراع مع الفلسطينيين إلى صراع صفري، حيث تستخدم إسرائيل أقصى درجات العنف في محاولاتها لقمع الفلسطينيين سياسيا وعسكرياً".
ويشير إلى وجود إشكاليات قانونية داخل إسرائيل بشأن هذا القانون، إذ يعتقد العديد من الخبراء أنه لن يصمد أمام المحكمة العليا، وذلك لسببين رئيسيين: الأول أن القانون -بصيغته الحالية- يُعد قانونا عنصريا لا يمكن الدفاع عنه، ولا يتماشى مع القوانين الأساسية في إسرائيل، خاصة بما يتعلق بمبدأ المساواة.
ويبين أبو راس أن القانون ينص على أن عقوبة الإعدام تُطبق فقط على من "يستهدف كيان إسرائيل أو حقها في الوجود"، ما يعني عمليا أن هذه العقوبة تُفرض على الفلسطينيين دون غيرهم. ويضيف أن هذا يخلق تمييزا واضحا، إذ أن اليهود الذين يرتكبون أعمالا إرهابية، سواء في الضفة الغربية أو داخل إسرائيل، لا تنطبق عليهم هذه العقوبة.
أما الإشكالية الثانية، فتتعلق بسمعة إسرائيل أمام المحاكم الدولية، حيث تعتمد إسرائيل في ردودها على اتهامات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، خاصة في قطاع غزة، على كونها دولة ديمقراطية تحترم مبدأ المساواة أمام القانون، وتستطيع محاسبة جنودها عند ارتكابهم انتهاكات.
ويؤكد أبو راس أن إقرار قانون من هذا النوع يضعف هذه الحجة بشكل كبير، ويمنح المحاكم الدولية مبررا للقول إن إسرائيل لا تطبق العدالة بشكل متساوٍ، بل تمارس تمييزا في معاقبة مرتكبي الجرائم.
وتوقع أبو راس أن "تقوم المحكمة العليا بإلغاء هذا القانون، الذي ينظر إليه على أنه قانون شعبوي، دفع به إيتمار بن غفير وفرضه على بنيامين نتنياهو، نظرا لقدرته على التأثير في استقرار الحكومة". مضيفا "ينبغي انتظار الأسابيع المقبلة لمعرفة ما إذا كانت المحكمة ستبطل هذا القانون أم لا".
سابقة تاريخية خطيرة قد تفتح الباب أمام دول أخرى لسن تشريعات مماثلة
يؤكد أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي د. محمد مهران أن إقرار الكنيست الإسرائيلي قانون إعدام الأسرى يمثل انتهاكا صريحا وجسيما لمنظومة القانون الدولي، وأن هذا التشريع ليس مجرد قانون عقوبات بل هو تشريع يُضفي شرعية على القتل المنظم ويُكرس الإفلات من العقاب.
ويضيف أن اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 التي تنظم معاملة أسرى الحرب تفرض على دولة الاحتلال ضمان المحاكمة العادلة وتحظر العقوبات التي تفتقر للضمانات القضائية، ويحذر من أن إلغاء شرط الإجماع القضائي قبل تنفيذ الإعدام يشكل تراجعاً صريحاً حتى عن المعايير التي أصّلتها إسرائيل نفسها تاريخياً في قانونها العسكري.
ويشير مهران إلى أن هذا القانون يخلق سابقة تاريخية خطيرة قد تفتح الباب أمام دول أخرى لسن تشريعات مماثلة، ويوضح أن إسرائيل التي تدعي أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط تتحول الآن لنموذج يُحتذى في انتهاك القانون الدولي، ويؤكد أن قبول المجتمع الدولي لهذا القانون بالصمت يعني أن أي دولة احتلال مستقبلا ستستشهد بالسابقة الإسرائيلية لتبرير إعدام المقاومين.
ويحذر مهران من أن هذا يهدم المنظومة الدولية التي بُنيت على أنقاض الحرب العالمية الثانية لحماية الأسرى والمدنيين من الانتهاكات.
ويرى مهران أن الأخطر فى هذا التشريع هو الطابع التمييزي العنصري للقانون، ويلفت أن التشريع موجه أساسا ضد الأسرى الفلسطينيين دون ذكر أي عقوبة لإسرائيلي يرتكب جريمة قتل بحق فلسطيني.
ويؤكد أن هذا التمييز القائم على الهوية الوطنية والعرقية يشكل انتهاكا مباشرا لمبدأ المساواة أمام القانون المكرس في المادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ويحذر مهران من أن هذا التشريع يرقى لمستوى الفصل العنصري المحظور دوليا وأن القانون يمنع منح أي عفو في هذه القضايا ما يعني تثبيت الحكم دون إمكانية تخفيفه أو مراجعته، ويؤكد أن هذا يتعارض مع المادة 6 من العهد الدولي التي توجب في قضايا الإعدام توفير حق التقاضي على درجات ومراجعة الأحكام.
ويلفت أستاذ القانون الدولي، إلى أن تطبيق التشريعات الداخلية الإسرائيلية على سكان الأراضي المحتلة ينتهك القانون الدولي، ويشير الى أن المادة 43 من لوائح لاهاي لعام 1907 تحظر على سلطة الاحتلال تغيير المنظومة التشريعية القائمة إلا في حدود الضرورة القصوى، ويؤكد أن ما أسماه بتشريعات الانتقام لا تنطوي على أي ضرورة قصوى بل هي مجرد عقاب جماعي محظور.
وعن دعوات عدد من الدول أوروبية كبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا لتخلي إسرائيل عن المشروع وتأكيدها على أن عقوبة الإعدام شكل لا إنساني ومهين من العقاب ولا تحقق أثرا رادعا، يقول مهران إن هذا غير كافٍ، والأمر يتطلب تدخل المجتمع الدولي بأكمله وفرض عقوبات على الكيان المحتل بشكل عاجل.
ويشدد مهران على أن المجتمع الدولي مطالب بشكل عاجل بتفعيل آليات المساءلة، مطالبا مجلس حقوق الإنسان الأممي بعقد جلسة طارئة، مؤكداً أن الصمت في مواجهة هذا التشريع يعد مشاركة في ما سيترتب عليه من جرائم.
المصدر:
القدس